كشفت شكاوى مزارعي البطيخ في كفر الشيخ والبحيرة والدقهلية، خلال مايو 2026، عن كارثة زراعية ضربت أحد أشهر محاصيل الصيف، بعدما تلفت مساحات واسعة، واشتبه مزارعون في فساد التقاوي، وقفزت تكلفة الفدان إلى 180 و200 ألف جنيه، بينما لامس سعر البطيخة 300 جنيه في بعض المناطق.
رجحوا تسبب التقاوي في تلف المحصول.. مزارعون يستغيثون بالمسؤولين بعد خسارة نحو 50 فدانًا من محصول #البطيخ في كفر الشيخ pic.twitter.com/o0A9TM1vc0
— الجزيرة مصر (@AJA_Egypt) May 18, 2026
وتحوّلت الأزمة إلى صرخة فلاحين قبل أن تكون أزمة مستهلكين، فالمزارع الذي دفع ثمن التقاوي والسماد والعمالة والري وجد الشتلات تموت في الأرض، ثم شاهد الحكومة تتحرك بلجان فحص بعد اتساع الخسائر، وكأن الرقابة لا تظهر إلا بعد خراب البيوت وارتفاع الأسعار.
صرخات الفلاحين تكشف حجم الكارثة
بدأت المأساة من الأرض نفسها، حيث تحدث مزارعون عن شتلات ماتت بعد أسابيع من الزراعة، وجذور تعفنت، وثمار ضمرت قبل النضج، وإنبات فشل في بدايته، وهي أعراض لا تعني خسارة محصول فقط، بل تعني ضياع موسم كامل ممول بالديون والعمالة ومدخرات الأسر.
وقال الحاج أحمد عبد التواب، وهو مزارع في كفر الشيخ، إنه اشترى باكت التقاوي بـ100 ألف جنيه، أملا في تعويض الارتفاع الكبير في مستلزمات الإنتاج، ثم فوجئ بموت الشتلات وتعفنها داخل الأرض، مؤكدا أن الفدان كلفه أكثر من 200 ألف جنيه وانتهى بلا محصول.
الدنيا بايظة معانا.. معاناة مزراعي البطيخ في كفر الشيخ pic.twitter.com/D4p6NifVCk
— صدى البلد 🇪🇬 (@ElBaladOfficial) May 18, 2026
وبهذه الشهادة، لا تظهر الأزمة كخبر أسعار في السوق، بل كقصة إفلاس معلنة، فالفلاح لم يخسر ربحا متوقعا فقط، بل خسر رأس مال موسم كامل، من حرث وتسميد وعمالة وتقاوي ومبيدات، ثم وجد نفسه أمام أرض لا ترد عليه إلا بالخسارة.
كما ظهرت استغاثات أخرى من مزارعين في كفر الشيخ تحدثوا عن خسارة عشرات الأفدنة، بينهم مزارع قال إنه خسر 50 فدانا بسبب تقاوي يشتبه في فسادها، وهي مساحة كان يفترض أن تنتج كميات كبيرة تكفي لسداد ديونه وتحريك السوق في موسم الصيف.
وفي هذا المحور، يخدم رأي حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، أصل الأزمة لأنه حذر قبل الموسم من وصول سعر كيلو بعض تقاوي البطيخ إلى 100 ألف جنيه بسبب الاحتكار والاعتماد على الاستيراد، بما جعل الفلاح يدخل الموسم محملا بخطر السعر قبل خطر الزراعة.
التقاوي المستوردة تحت الاتهام والحكومة تصل متأخرة
تتركز الاتهامات الميدانية حول التقاوي، لأن المزارعين يتحدثون عن فساد مبكر لا يمكن تفسيره كله بالسوق أو التجار، بينما تنحصر التحقيقات الفنية بين عيوب وراثية أو أمراض فطرية كامنة في شحنات مستوردة، وبين أخطاء ري وموجات حر وتغيرات مناخية ضربت المحصول.
غير أن تعدد الفرضيات لا يعفي وزارة الزراعة من المسؤولية، لأن البذرة تدخل السوق قبل أن تصل إلى يد الفلاح، وتباع بأسعار فلكية، ثم تُزرع في آلاف الأفدنة، ولذلك لا يصح أن يبدأ الفحص الجاد بعد أن ينتهي الموسم ويتحول الفلاح إلى ضحية.
وفي كفر الشيخ، أعلنت مديرية الزراعة تشكيل لجان من الوزارة والمديرية لفحص شكاوى مزارعي البطيخ بمركز البرلس، وسحب عينات من التربة والشتلات للوقوف على أسباب تضرر المحصول، وهو تحرك مهم لكنه جاء بعد تراكم الخسائر وارتفاع صوت الاستغاثات.
كذلك تكشف الأزمة خللا في سوق مستلزمات الإنتاج، لأن الفلاح يشتري تقاوي غالية من شركات ومنافذ توزيع، ولا يملك قدرة معملية على اختبارها، ثم يتحمل وحده نتيجة الفشل، بينما تتأخر آلية المحاسبة والتعويض حتى تظهر نتائج اللجان والتحاليل.
ويخدم رأي خالد جاد، المتحدث باسم وزارة الزراعة في تصريحات سابقة، محور ضبط سوق التقاوي لأنه أشار إلى تفاوت أسعار الأصناف وعدم صحة تعميم الأرقام الضخمة على كل الأنواع، لكن الأزمة الحالية تثبت أن المشكلة ليست في متوسط السعر، بل في غياب ضمانة تحمي الفلاح عند تلف البذور.
البطيخة تصبح سلعة ثقيلة على المستهلك
انتقلت خسائر الأرض إلى الأسواق بسرعة، حيث أدى نقص المعروض إلى ارتفاعات حادة في سعر البطيخ، وتحدثت تقارير عن وصول البطيخة إلى أكثر من 300 جنيه في بعض المناطق قبل أن تهدأ الأسعار إلى ما بين 40 و200 جنيه حسب الحجم والجودة والمكان.
ولا يستطيع التاجر وحده أن يتحمل تفسير القفزة، لأن المعروض تراجع بعد تلف مساحات كبيرة، وارتفاع تكلفة الفدان جعل السعر يبدأ من نقطة عالية قبل وصوله إلى المستهلك، فالفلاح يريد تعويض خسارته، والتاجر يرفع هامشه، والمواطن يدفع في النهاية ثمن غياب الرقابة.
وقال المهندس محمد مرسي، صاحب مزرعة في الظهير الصحراوي، إن الأسعار التي وصلت إلى 300 جنيه للبطيخة ليست مجرد جشع من التاجر، بل نتيجة طبيعية لقلة المعروض بعد تلف أكثر من نصف المحصول، مطالبا بتعويضات ومحاسبة الشركات المستوردة للتقاوي.
في المقابل، نفى حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة، صحة تصريحات منسوبة إليه بشأن وصول البطيخ إلى 300 جنيه، لكنه أقر بأن الأسعار ظلت مرتفعة بسبب عدم استقرار الطقس وقلة المعروض، وتوقع انخفاضها تدريجيا مع ظهور إنتاج كفر الشيخ والبحيرة.
ويخدم رأي النجيب محور السوق، لأنه يشرح العلاقة بين المعروض والطقس والأسعار، لكنه لا يمحو جوهر الأزمة، فالانخفاض المنتظر لا يعوض فلاحا خسر 200 ألف جنيه في الفدان، ولا يكشف من سمح بتداول تقاوي مشكوك فيها قبل بداية الموسم.
من يدفع ثمن خراب موسم البطيخ؟
تحتاج الأزمة إلى قرار واضح لا إلى لجان فقط، لأن الفلاحين يطالبون بتحديد المسؤولية القانونية والمالية، فإذا أثبتت التحاليل فساد التقاوي أو وجود عيوب في شحنات مستوردة، فلا يكفي إدانة عامة، بل يجب إعلان أسماء الشركات والمستوردين ومسار التوزيع وتعويض المتضررين.
ثم إن تعويض الفلاح لا يجب أن ينتظر موسما جديدا، فهناك ديون عمالة ومدخلات إنتاج ومقايسات ري والتزامات أسرية، وقد ربط بعض المزارعين مصيرهم الشخصي بالمحصول، حتى ظهرت استغاثات تقول إن أصحابها كانوا ينتظرون حصاد البطيخ لسداد الديون أو إتمام الزواج.
كما تحتاج الحكومة إلى مراجعة جذرية لسوق البذور، لأن الاعتماد على التقاوي المستوردة بأسعار مرتبطة بالدولار يترك الفلاح تحت رحمة شركات وتجار، ويحول كل موسم إلى مقامرة، فإذا نجحت البذرة نجا الفلاح، وإذا فشلت تحولت الأرض إلى دفتر ديون.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة البطيخ عن محصول فشل فقط، بل عن دولة تركت الفلاح وحيدا أمام تقاوي باهظة وسوق بلا ضمانات ورقابة تصل بعد الخسارة، ثم تركت المستهلك أمام بطيخة بـ300 جنيه، بينما بقي السؤال الأهم بلا إجابة، من يعوض خراب البيوت.

