رجحت مؤسسات وخبراء اقتصاد في القاهرة تثبيت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم 21 مايو 2026، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، بعد رفع توقعات التضخم إلى ما بين 16% و17% خلال 2026، وسط ضغوط الطاقة والاتصالات وسعر الصرف.
وتكشف هذه التوقعات أن المواطن المصري محاصر من جهتين واضحتين، حكومة ترفع أسعار الخدمات والطاقة وتدفع كلفة الإنتاج إلى الصعود، وبنك مركزي لا يستطيع خفض الفائدة لأن التضخم لم ينكسر بعد، فتتعطل فرص التمويل الرخيص بينما تستمر المعيشة في ابتلاع الدخل.
التضخم يقطع طريق خفض الفائدة
بدأت موجة الترقب بعد تقرير السياسة النقدية الأخير، حيث رفع البنك المركزي توقعاته لمتوسط التضخم في 2026 إلى ما بين 16% و17% بدلا من 11% في توقعاته السابقة، كما رجح أن يظل التضخم مرتفعا خلال العام قبل أن يبدأ مسارا نزوليا تدريجيا في 2027.
وفي الوقت نفسه، سجل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 13.4% في أبريل 2026 مقابل 13.5% في مارس، بينما بلغ تضخم المدن 14.9%، وتراجع التضخم الأساسي إلى 13.8%، وهي أرقام تمنح البنك المركزي سببا للانتظار لكنها لا تمنحه مساحة آمنة للتيسير.
ويخدم رأي هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، هذا المحور مباشرة، لأنه اعتبر أن التضخم ما زال أعلى من المستهدف الرسمي، وأن البنك المركزي يحتاج إلى اختبار استدامة التراجع الشهري، لأن هدوء شهر واحد لا يكفي لخفض الفائدة وسط توترات الطاقة والسلع.
لذلك لا يبدو الخفض قريبا رغم حاجة السوق إليه، فالمركزي يستهدف وصول التضخم إلى 7% بزيادة أو نقصان 2% في الربع الأخير من 2026، بينما تقف الأرقام الفعلية والتوقعات الجديدة أعلى من هذا النطاق، بما يحول قرار مايو إلى دفاع عن الاستقرار لا دعم للنشاط.
الحكومة تضيف وقودا جديدا لإشعال لأسعار
على الجانب المحلي، جاءت قرارات الحكومة لتزيد الضغط على الأسعار، فقد وافق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في 6 مايو 2026 على تحريك بعض أسعار خدمات الاتصالات بنسبة بين 9% و15%، وهي زيادة تطال خدمة يومية أصبحت مرتبطة بالتعليم والعمل والخدمات العامة.
وبعد ذلك، رفعت الحكومة أسعار الغاز الطبيعي لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتبارا من مايو، بمتوسط يقارب دولارين لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، لتصل الأسعار إلى 14 دولارا لمصانع الأسمنت و7.75 دولار للحديد والصلب والأسمدة غير النيتروجينية والبتروكيماويات.
ومن هنا تخدم قراءة هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي في شركة إتش سي، محور الضغوط الداخلية والخارجية، لأنها ربطت تثبيت الفائدة بالمخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع جاذبية بعض تدفقات أدوات الدين، كما أشارت إلى أثر زيادات الوقود والغاز على الضغوط التضخمية.
وبناء على ذلك، تبدو الحكومة شريكا مباشرا في تضييق خيارات البنك المركزي، لأنها ترفع تكاليف الاتصالات والطاقة ثم تنتظر من السياسة النقدية أن تحتوي التضخم، بينما يدفع المواطن كلفة الزيادات في الفواتير والسلع، ولا يحصل في المقابل على حياة كريمة أو حماية سعرية فعالة.
الفائدة المرتفعة تحمي الجنيه وتخنق الاقتصاد
على مستوى السوق، يتوقع خبراء أن يفضل البنك المركزي تثبيت الفائدة حفاظا على جاذبية الجنيه وأدوات الدين، خاصة بعد خروج تدفقات أجنبية من السوق الثانوية لأدوات الخزانة، ووسط رغبة رسمية في منع أي ضغط جديد على سعر الصرف أو موجة تضخم مستورد.
وفي هذا السياق، يخدم رأي علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، محور تكلفة القرار، لأنه رجح التثبيت واعتبر رفع الفائدة صعبا بسبب أثره على تكلفة التمويل والمديونية الحكومية والاستثمار والبورصة، وهو ما يضع المركزي بين خطر التضخم وخطر خنق النشاط الاقتصادي.
كما ترى حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن اللجنة لا تملك عمليا خيار الخفض أو الرفع في الوقت الحالي، لأن التضخم الشهري تراجع لكنه لا يزال مرتفعا، ولأن رفع الفائدة سيزيد تكلفة التمويل على الدولة باعتبارها المقترض الأكبر من الجهاز المصرفي.
لهذا يصبح التثبيت قرارا اضطراريا لا انتصارا نقديا، فخفض الفائدة قد يضغط على الجنيه ويغذي الأسعار، ورفعها يضاعف عبء الدين ويضرب الاستثمار، أما التثبيت فيبقي المواطن بين فوائد مرتفعة تمنع التمويل الرخيص وأسعار مرتفعة تلتهم دخله من دون حل جذري.
وفي النهاية، لا تتعلق أزمة اجتماع 21 مايو 2026 بسعر فائدة فقط، بل بفاتورة سياسة اقتصادية كاملة، فالحكومة توسع الزيادات وتترك التضخم يضغط على البيوت، والبنك المركزي يدير الضرر بأداة واحدة، بينما يحتاج المصريون إلى خفض حقيقي للأسعار لا بيانات انتظار جديدة.

