د. مصطفى البرغوثي
الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، وأحد مؤسسي المقاومة الشعبية
يمثّل إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون الإعدام ضدّ الفلسطينيين، وكذلك قانون تشكيل محكمة خاصّة بأسرى "7 أكتوبر"(2023)، محاولةً متعدّدة الأهداف لتزوير الحقائق وتشويه السردية، إلى جانب أنّه تعبير عن تحوّلات عميقة نحو الفاشية في إسرائيل.
تُعدّ هذه القوانين، أولًا، ترسيخًا وتعميقًا لمنظومة الأبارتهايد والفصل العنصري بتطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين دون الإسرائيليين. وهو مستوى من الأبارتهايد تجاوز في بشاعته منظومته التي سادت في جنوب أفريقيا سابقًا، وغدت موضع إدانة في العالم بأسره، حتى انهارت بالكامل. وتمثّل كذلك توجّهًا إضافيًا للانتقام من الشعب الفلسطيني يضاف إلى جريمة الإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين، ردًّا على مقاومتهم الظلم والاحتلال. ولا يخفى أنّ أحد أهداف إقرار هذه القوانين هو التغطية على الفشل العسكري والأمني الإسرائيلي، ومحاولة للهروب إلى الأمام من احتمال تشكيل لجنة تحقيق في ما جرى في "7 أكتوبر"، قد تكشف أنّ عددًا كبيرًا من القتلى الإسرائيليين المدنيين في ذلك اليوم قتلوا برصاص المروحيات ومدافع الدبابات الإسرائيلية. كما تكشف، بما يرافقها من احتفالات مخزية بإقرار قانون الإعدام، وتقلّدٍ لشارات حبل المشنقة الذي تصدّر كذلك كعكة عيد ميلاد الوزير الفاشي إيتمار بن غفير، درجة الانحطاط نحو الفاشية التي لا تقيم وزنًا لقانون دولي أو لمواثيق حقوق الإنسان، أو للادعاءات بديمقراطية الكيان الإسرائيلي.
ومثّل إخراج قانون تشكيل محكمة إسرائيلية خاصّة بـ"7 أكتوبر" محاولةً خبيثةً للغاية لتقليد محكمة نورمبرغ التي أُنشئت لمحاكمة القادة النازيين الألمان بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية. ويمثّل القانون الذي أقرّ تشكيل المحكمة محاولة متعدّدة الأهداف، منها، أولًا، محاولة تقمّص إسرائيل دور الضحية ومكانتها في الصراع الدائر، على الرغم من تورّطها في جريمة الإبادة الجماعية ضدّ قطاع غزّة. ثانيًا، إنشاء مهرجان إعلامي وبازار للتغطية على الجرائم التي ارتكبت ضدّ الشعب الفلسطيني وتبريرها. ثالثًا، ادّعاء الانتصار الحاسم في الصراع الدائر، وكأنّ المحاكمات ستحسم، كما حسمت محاكمات نورمبرغ نتيجة الصراع، خصوصًا إن ترافق افتتاح بازار التشويه مع الحملة الانتخابية لتجديد هيمنة اليمين الفاشي على الحكومة الإسرائيلية. وهناك، رابعًا، امتصاص غضب المجتمع الإسرائيلي ونقمته على فشل إسرائيل في "7 أكتوبر" من خلال حملات تحريض دموي ضدّ الفلسطينيين، في محاولة إضافية لتقليد الحملات المكارثية وتوجيهها ضدّ الشعب الفلسطيني. وذلك ينسجم تمامًا مع التوجّهات التي أعلنها نتنياهو بتخصيص مئات ملايين الدولارات لتمويل "الهسبارا" (حملات الدبلوماسية العامة والدعاية الدولية الإسرائيلية)، بعد أن خسرت إسرائيل المعركة الإعلامية، ومعركة الرأي العام، طوال العامَين الماضيَّين.
والمفارقة هنا أنّ ذلك كلّه يجري في حين تواصل حكومة إسرائيل اعتداءاتها واغتيالاتها في لبنان وقطاع غزّة، وتواصل خرق اتفاقات وقف إطلاق النار، وتصعيد عمليات الإرهاب الاستيطاني وضمّ الضفة الغربية وتهويدها، وتحرّض الولايات المتحدة على استئناف الحرب المدمِّرة على إيران والخليج العربي. ولا تدرك المنظومة الإسرائيلية أنّ الدمار الذي لحق بسمعتها نتيجة جرائم الحرب لا يمكن إصلاحه، خصوصًا مع استمرار الجرائم. كما لا تدرك أنّ مئات ملايين الدولارات التي ستنفقها على أنشطتها الدعائية ستبقى عاجزةً أمام قوّة الحقائق التي لم يعد ممكنًا إخفاؤها. كما لن تستطيع تجاوز تحوّل القضية الفلسطينية إلى موضوع داخلي في أوروبا والولايات المتحدة، خصوصًا خلال الحملات الانتخابية فيهما.
الأمر الكارثي الأكبر الذي لا تدركه إسرائيل أنّه مع أوّل جريمة شنق وإعدام لأسير فلسطيني ستنفجر موجة عالمية من الإدانة، وغضب شعبي فلسطيني عارم لا يمكن تجاوزه. وهل هناك من مؤشّر أبلغ من التقرير الذي نُشر الأسبوع الماضي في صحيفة نيويورك تايمز، التي لا يمكن اتهامها بالعداء لإسرائيل، وكشفَ تفاصيل مرعبة ومقزّزة لجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي الذي يمارسه جنود جيش الاحتلال، رجالًا ونساءً ضدّ الأسرى الفلسطينيين؟ ولن تنفع نتنياهو ولا وزير خارجيته، هنا، محاولات مقاضاة تلك الصحيفة التي تجرّأت على نشر الحقائق من دون مبالغة أو تهويل. ومن يضمن ألّا تتحوّل المحاكمات المنتظَرة، بشجاعة الأسرى الفلسطينيين وجرأتهم، إلى ميادين لمحاكمة الاحتلال نفسه، وكشف ادّعاءاته وتعريتها، وإظهار آثار التعذيب الذي يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون لانتزاع اعترافات كاذبة بأمور لم يقترفوها. وعندها سينقلب السحر على الساحر.
وكما قيل مرارًا وتكرارًا، يمكن خداع بعض الناس كلّ الوقت، ويمكن خداع كلّ الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكن مهما بلغ الأمر خداع الناس كلّهم طوال الوقت.
وإن غدًا لناظره قريب...

