كشفت شركة بي بي البريطانية عن دراسة إمكانية بيع جزء من أصولها في قطاع الغاز المصري، في خطوة أثارت قلق المستثمرين والأوساط الاقتصادية حول قدرة مصر على تأمين الطاقة محليًا وخفض فاتورة الاستيراد. تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه البلاد تراجعًا في الإنتاج المحلي وارتفاعًا كبيرًا في الاعتماد على الغاز المستورد، ما يزيد الضغط على الحكومة وعلى العملة الأجنبية.

 

وأكد خبراء أن القرار لا يرتبط فقط بعوامل مالية للشركة، بل يعكس مخاطر ترتبط بالاستقرار السياسي والإقليمي، خصوصًا مع التوترات في الخليج والبحر الأحمر وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة. إذ يشير المختصون إلى أن أي تراجع في استثمارات بي بي قد يؤدي إلى ضعف الإنتاج المحلي ويزيد الفجوة بين الطلب والاستهلاك.

 

أهمية التخارج الجزئي وتأثيره على الإنتاج المحلي

 

تعتبر مصر واحدة من أهم مناطق نشاط بي بي عالميًا، إذ تمتلك الشركة استثمارات تمتد لعقود وتشترك في امتيازات غاز بحرية عديدة في المتوسط. وأوضح خبير الطاقة الدكتور مصطفى النشار أن مجرد الحديث عن إعادة بيع أصول يرسل رسائل سلبية حول جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية ويهدد استقرار الإمدادات المحلية.

 

كما أشار النشار إلى أن انخفاض إنتاج الغاز خلال السنوات الأخيرة يضع الدولة في موقف صعب، إذ تحولت مصر من دولة مصدرة للغاز إلى مستورد بشكل متزايد، خاصة خلال ذروة الاستهلاك الصيفية، ما يعقد جهود الحكومة في ضبط أسعار الوقود وتقليل العجز في الميزان التجاري للطاقة.

 

تسهيلات الحكومة وتناقض سياساتها مع الواقع

 

رغم تقديم الحكومة المصرية حزمة حوافز واسعة لشركات الطاقة الأجنبية خلال العامين الماضيين، منها سداد مستحقات متأخرة ورفع أسعار شراء الغاز وزيادة حصص الشركاء الأجانب، يبقى التساؤل حول جدوى هذه الحوافز في ظل قرار بي بي المحتمل. وقال الخبير الاقتصادي عمرو فهمي إن الإجراءات الحكومية لا تعكس رؤية حقيقية لتعزيز الإنتاج المحلي، بل مجرد محاولات لتجميل الواقع أمام المستثمرين، دون معالجة فجوة الطاقة الحقيقية التي تواجهها مصر.

 

وأكد فهمي أن التناقض بين تصريحات بي بي الأخيرة عن التوسع في مشاريع جديدة داخل مصر وإشاعات التخارج يضع الحكومة في موقف حرج، إذ يبدو أن كل التسهيلات لم تردع الشركة عن إعادة تقييم استثماراتها، ما يضع مصداقية الدولة أمام المستثمرين على المحك.

 

التأثير الإقليمي على أعباء الاستيراد وأمن الطاقة

 

في ظل الاعتماد الجزئي على الغاز الإسرائيلي، تضاعف المخاطر على مصر في حال حدوث أي اضطرابات سياسية أو عسكرية بالمنطقة. وأوضح الباحث الدولي في شؤون الطاقة الدكتور وليد عبد العزيز أن أي توقف في الإمدادات الإسرائيلية سبق أن أدى إلى زيادات كبيرة في فاتورة الاستيراد، ما يضع الحكومة تحت ضغط مضاعف للحفاظ على التوازن الاقتصادي.

 

وأضاف عبد العزيز أن التوترات الإقليمية الأخيرة في الخليج والبحر الأحمر رفعت تكاليف استيراد الوقود، وزادت حدة المخاوف بشأن استدامة الإمدادات المحلية، مؤكدًا أن أي تقليص لاستثمارات بي بي أو شركات أجنبية أخرى قد يؤدي إلى تباطؤ عمليات الاستكشاف والإنتاج، بما يفاقم أزمة الطاقة في مصر.

 

وفي النهايه يبدو أن ما يحدث مع بي بي ليس مجرد قرار تجاري عابر، بل انعكاس لضعف الاستراتيجية الحكومية في إدارة قطاع الطاقة، وتجاهلها للتحديات الفعلية التي تواجهها مصر في تأمين الغاز المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. ومع استمرار التخارج الجزئي أو إعادة الهيكلة الاستثمارية للشركة، يظل مستقبل الإنتاج المحلي وجاذبية السوق الأجنبية في مصر مهددًا، مما يزيد الضغط على الحكومة ويهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.