أشعل إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية عبر المنصات الرسمية لبلدية نيويورك موجة غضب إسرائيلية واسعة، بعدما وجد الاحتلال نفسه أمام خطاب سياسي وإعلامي مختلف يصدر هذه المرة من قلب واحدة من أهم المدن الأمريكية وأكثرها تأثيراً، في تطور يعكس التحولات المتسارعة داخل الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية والحرب المستمرة على غزة.
ودخلت وزارة الخارجية الإسرائيلية، إلى جانب وسائل إعلام عبرية ومنظمات ضغط مؤيدة للاحتلال في الولايات المتحدة، في هجوم منسق ضد عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، عقب نشره مقطع فيديو لإحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، تضمّن شهادة إنسانية مؤثرة لإحدى الناجيات من أحداث عام 1948، وسط اتهامات إسرائيلية له بـ"تبني رواية فلسطينية أحادية الجانب" و"نزع الشرعية عن إسرائيل".
https://x.com/aljarmaqnet/status/2055671011715022926
فيديو النكبة يفجّر أزمة سياسية
بدأت الأزمة بعد نشر ممداني مقطعاً مصوراً عبر الحسابات الرسمية لبلدية نيويورك، تحدث فيه عن النكبة الفلسطينية بوصفها واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث، مشيراً إلى أن أكثر من 700 ألف فلسطيني أُجبروا على مغادرة منازلهم بين عامي 1947 و1949.
وأرفق العمدة الفيديو برسالة أكد فيها أن إحياء ذكرى النكبة يمثل حفاظاً على الذاكرة الإنسانية والتاريخية، وأن روايات الناجين يجب أن تُروى للأجيال القادمة، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية.
الخارجية الإسرائيلية تهاجم الرواية الفلسطينية
وزارة الخارجية الإسرائيلية سارعت إلى الرد عبر بيان نشرته على منصة "إكس"، زعمت فيه أن ما يُعرف بالنكبة كان "نتيجة مباشرة" لرفض الدول العربية لخطة التقسيم الأممية عام 1947، مدعية أن الجيوش العربية شنّت حرباً ضد إسرائيل بهدف القضاء عليها.
وجاء البيان في إطار محاولة إسرائيلية واضحة لمواجهة السردية التي قدمها العمدة الأمريكي، خاصة بعد الانتشار الواسع للفيديو وتفاعل آلاف المستخدمين معه داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ورأت دوائر إسرائيلية أن خطورة الفيديو لا تكمن فقط في محتواه، بل في كونه نُشر عبر منصات رسمية لمدينة نيويورك، التي تضم أكبر تجمع يهودي خارج إسرائيل، ما منح القضية أبعاداً سياسية ورمزية واسعة.
شهادة إنسانية تهز الإعلام العبري
الجزء الأكثر تأثيراً في الفيديو كان شهادة المواطنة الفلسطينية الأمريكية إينيا بوشناق، التي روت تفاصيل تهجير عائلتها من مدينة القدس خلال أحداث عام 1948.
وقالت بوشناق إنها كانت في التاسعة من عمرها عندما اضطرت عائلتها إلى الفرار تحت وقع إطلاق النار والهجمات العسكرية، موضحة أن الرصاص كان يخترق نوافذ منزلهم قبل أن تتخذ الأسرة قرار النزوح نحو مدينة نابلس في الضفة الغربية.
كما تحدثت عن احتفاظ والدها بمفتاح المنزل طوال سنوات اللجوء، معتبرة أن "مفتاح العودة" تحول إلى رمز دائم للذاكرة الفلسطينية وللحق في العودة إلى الديار التي هُجّروا منها.
هذه الشهادة الإنسانية أثارت اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام العبرية، حيث اعتبرت صحيفة "جيروزليم بوست" أن الفيديو يتحدى الرواية الإسرائيلية التقليدية حول حرب 1948، خاصة مع تركيزه على المعاناة المدنية والتهجير القسري للفلسطينيين.
https://www.facebook.com/watch/?v=983782484357919
اتهامات بمعاداة السامية ومحاولات لتشويه الرسالة
منصات إسرائيلية وجماعات ضغط مقربة من اللوبي المؤيد للاحتلال في الولايات المتحدة اعتبرت أن إحياء ذكرى النكبة داخل مدينة نيويورك يحمل "رسائل سياسية خطيرة"، وادعت أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تأجيج مشاعر معادية لليهود.
كما نقلت صحيفة "يديعوت أحرنوت" انتقادات من شخصيات يهودية بارزة في نيويورك، من بينها موشيه سافران رئيس جمعية المعلمين اليهود، الذي زعم أن الفيديو يقدّم "سردية ناقصة" للأحداث التاريخية ويهدد أمن المجتمع اليهودي عبر تجاهل السياق العسكري للحرب.
وفي محاولة أخرى للتشكيك في مضمون الفيديو، ركزت تقارير عبرية على تفاصيل بصرية ظهرت داخله، من بينها ملصق تاريخي يحمل عبارة "زوروا فلسطين" يعود إلى عام 1936، حيث حاولت وسائل إعلام إسرائيلية تصوير استخدام الملصق باعتباره "تناقضاً"، بزعم أن مصممه كان يحمل توجهاً صهيونياً.
تحوّل داخل الخطاب الأمريكي
صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" اعتبرت أن ممداني تبنى بشكل واضح "الرواية الفلسطينية" عبر تسليطه الضوء على التهجير والمعاناة الإنسانية للفلسطينيين دون التركيز على الرواية الإسرائيلية المتعلقة بالحرب.
أما صحيفة "معاريف" فوصفت ما جرى بأنه "سيناريو كابوس" للدبلوماسية الإسرائيلية، محذرة من أن تصاعد الخطاب الداعم للحقوق الفلسطينية داخل المدن الأمريكية الكبرى يشير إلى تحولات عميقة في المزاج السياسي الأمريكي.

