كشفت تسجيلات كاميرات المراقبة داخل عدد من محطات الوقود في القاهرة والجيزة عن وقائع تعبئة وهمية للبنزين استهدفت سيارات المواطنين خلال الأشهر الأخيرة، بعدما رصدت الأجهزة الرقابية تحصيل قيم مالية كاملة مقابل كميات وقود لم تُضخ فعليًا داخل خزانات السيارات، ما تسبب في خسائر بملايين الجنيهات وتزايد شكاوى السائقين من التلاعب في العدادات وتراجع معدلات الاستهلاك بصورة غير مبررة.
وأعادت هذه الوقائع فتح ملف الفساد داخل منظومة توزيع الوقود في مصر، بالتزامن مع الزيادات المتلاحقة في أسعار البنزين والسولار التي فرضتها حكومة عبد الفتاح السيسي منذ فبراير 2024، بينما يواجه المواطن أعباء معيشية متصاعدة دون رقابة حقيقية على الأسواق أو حماية فعلية للمستهلكين، الأمر الذي دفع كثيرين لاتهام الجهات الرسمية بالتواطؤ عبر تجاهل الشكاوى المتكررة رغم اتساع حجم الأزمة داخل محطات الوقود.
تسجيلات المراقبة تكشف أساليب التلاعب داخل المحطات
أظهرت مقاطع مصورة متداولة من داخل محطات وقود قيام بعض العمال بإيقاف ضخ البنزين فعليًا مع استمرار حركة العداد الإلكتروني حتى نهاية القيمة المالية المطلوبة، قبل إعادة تشغيل المضخة بصورة جزئية، بينما يتسلم السائق إيصالًا يؤكد حصوله على كامل الكمية المسجلة رغم اختلاف مستوى الوقود داخل السيارة بصورة واضحة.
كما كشفت شهادات مواطنين تعرضوا للواقعة عن وجود تنسيق بين بعض العاملين داخل المحطات لتكرار عمليات التعبئة الوهمية خلال أوقات الزحام، مستغلين انشغال السائقين وعدم قدرتهم على متابعة شاشة العداد بصورة دقيقة، خصوصًا في المحطات الواقعة على الطرق السريعة والمناطق المزدحمة بالقاهرة الكبرى.
وقال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن تكرار وقائع التلاعب في الوقود يعكس غياب منظومة رقابية مستقلة على قطاع المحروقات، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار المتواصل خلق بيئة مناسبة لزيادة معدلات الفساد داخل المحطات نتيجة تضخم هامش الأرباح غير القانونية على حساب المستهلكين.
وأضاف الولي أن الحكومة تمتلك أدوات تقنية قادرة على مراقبة حركة البيع داخل المحطات وربطها إلكترونيًا بمعدلات السحب الحقيقية، لكن استمرار الأزمة يكشف أن أولوية السلطة تتركز على تحصيل الإيرادات من رفع الأسعار وليس حماية المواطنين من السرقات اليومية داخل الأسواق والخدمات الأساسية.
في المقابل تداول سائقون عبر منصات التواصل الاجتماعي صورًا لإيصالات تعبئة بكميات كبيرة لم تنعكس على مؤشرات الوقود داخل سياراتهم، بينما أكد بعضهم اضطرارهم لإعادة التزود بالبنزين بعد ساعات قليلة فقط من التعبئة رغم عدم استخدام السيارة لمسافات طويلة، ما زاد حالة الغضب الشعبي تجاه المحطات والجهات الرقابية.
تصاعد الغضب الشعبي بعد زيادات الأسعار المتكررة
جاءت أزمة التعبئة الوهمية بالتزامن مع موجة جديدة من رفع أسعار الوقود التي أقرتها الحكومة خلال أبريل 2026، حيث ارتفع سعر عدد من أنواع البنزين والسولار بنسب إضافية أثرت مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، بينما تراجعت القدرة الشرائية للأسر بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين.
وأدى الجمع بين ارتفاع الأسعار واتهامات التلاعب في الكميات إلى اتساع حالة الاحتقان بين المواطنين، خصوصًا مع تكرار شكاوى نقص البنزين داخل الخزانات مقارنة بالمبالغ المدفوعة، في وقت تواصل فيه الحكومة الترويج لبرامج التحول الرقمي والرقابة الإلكترونية دون نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأكد الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن أزمة الوقود الحالية ليست منفصلة عن السياسات الاقتصادية التي توسعت في رفع الدعم وخصخصة الخدمات العامة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن تقليص الرقابة الحكومية الفعلية على الأسواق فتح المجال أمام شبكات فساد صغيرة ومتوسطة داخل قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين مباشرة.
وأشار فاروق إلى أن المواطن بات يدفع ثمن الأزمة مرتين، الأولى عبر الزيادات الرسمية في الأسعار، والثانية عبر التلاعب غير القانوني بالكميات داخل المحطات، بينما تغيب المحاسبة الحقيقية للعاملين المتورطين أو الجهات المشرفة على متابعة عمليات الضخ والتوزيع.
وفي السياق نفسه طالب عدد من مستخدمي السيارات بإجراء مراجعة شاملة لجميع عدادات الوقود داخل المحطات وربطها بكاميرات مراقبة إلزامية تخضع لإشراف جهات مستقلة، بعد تزايد البلاغات المتعلقة بالتلاعب الإلكتروني في المضخات وعدم مطابقة الكميات المباعة للكميات الفعلية التي تصل إلى السيارات.
خبراء يحذرون من انهيار الثقة في منظومة الوقود
حذر متخصصون في شؤون الطاقة من أن استمرار وقائع التعبئة الوهمية قد يؤدي إلى انهيار ثقة المواطنين بالكامل في منظومة توزيع الوقود، خاصة مع غياب الشفافية بشأن نتائج التحقيقات الرسمية أو حجم الأموال التي جرى الاستيلاء عليها عبر عمليات التلاعب داخل بعض المحطات.
وأوضح خبير الطاقة مدحت يوسف أن أنظمة القياس الإلكترونية داخل محطات الوقود تحتاج إلى مراجعة دورية صارمة لضمان مطابقة الكميات المسجلة للكميات المضخوخة فعليًا، مؤكدًا أن أي خلل تقني أو تلاعب بشري يمكن أن يسبب خسائر مالية ضخمة للمستهلكين خلال فترات قصيرة.
وأضاف يوسف أن ضعف الرقابة الميدانية سمح بتحول بعض المحطات إلى بيئة خصبة للتجاوزات، خاصة مع تراجع حملات التفتيش المفاجئ واعتماد الجهات الرسمية على تقارير إدارية لا تعكس الواقع الفعلي داخل مواقع الخدمة التي يتعامل معها ملايين المواطنين يوميًا.
في الوقت نفسه تصاعدت مطالب حقوقية وبرلمانية بفتح تحقيقات علنية حول وقائع التعبئة الوهمية ومحاسبة المسؤولين عن التلاعب في الوقود، بعد انتشار مقاطع الفيديو بشكل واسع وتزايد الضغوط الشعبية على الحكومة للكشف عن نتائج الفحص الفني للمضخات المتهمة بالتلاعب.
كما طالب مواطنون بإنشاء آلية فورية لتعويض المتضررين من عمليات النصب داخل المحطات، بعدما اضطر كثيرون لدفع مبالغ إضافية لإعادة التزود بالوقود خلال فترات زمنية قصيرة، بينما تجاهلت إدارات بعض المحطات الشكاوى وقدمت مبررات تقنية اعتبرها السائقون محاولة للتغطية على وقائع السرقة.
واخيرا تكشف أزمة التعبئة الوهمية للبنزين حجم التدهور الذي أصاب منظومة الرقابة الحكومية في مصر، بعدما تحولت خدمات أساسية ترتبط بحياة المواطنين اليومية إلى ساحات مفتوحة للتلاعب والاستغلال المالي، وسط عجز رسمي واضح عن فرض رقابة فعالة أو استعادة ثقة الشارع الغاضب من موجات الغلاء والفساد المتصاعدة.

