رصدت مقاطع مصورة من مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر (شرق مصر) ظهور سمكة قرش من نوع ماكو بطول يقترب من 3 أمتار قرب شاطئ مكتظ بالمواطنين قبل أن يطاردها صيادون ويتمكنوا من صيدها ثم تُنقل إلى المعهد القومي لعلوم البحار بالغردقة للفحص والتشريح فيما أسفر الحادث عن تجدد المخاوف من سلامة الشواطئ وفعالية إجراءات الرقابة البحرية في مصر.
كما أعادت الواقعة طرح سؤال مباشر يتعلق بمسؤولية الحكومة عن تكرار اقتراب القروش من مناطق السباحة رغم السوابق الدامية في شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والقصير نفسها إذ لم يعد مقبولًا الاكتفاء بتعليمات فردية للمواطنين عن الهدوء والتحرك البطيء بينما تغيب سياسات معلنة للرصد المبكر وإدارة المخاطر ومحاسبة الجهات المقصرة في حماية الشواطئ والقطاع السياحي.
ظهور قرش القصير يعيد القلق إلى الشواطئ المصرية
شهدت مدينة القصير حالة قلق واسعة بعد تداول فيديوهات أظهرت سمكة قرش تقترب من أحد الشواطئ المزدحمة بالسكان والمصطافين في البحر الأحمر وهو ما دفع الصيادين إلى مطاردتها ثم اصطيادها قبل أن تكشف المعاينة الأولية أنها من نوع ماكو المعروف بسرعته وطبيعته المفترسة.
ثم قررت الجهات المعنية إرسال السمكة إلى المعهد القومي لعلوم البحار ومصايد الأسماك بمدينة الغردقة حتى تخضع لفحص فني وتشريح علمي بهدف تحديد الأسباب البيئية والبيولوجية التي دفعتها إلى الاقتراب من الشاطئ على هذا النحو وسط وجود كثيف للمواطنين.
وأوضحت مصادر مصرية أن ظهور القروش قرب الشواطئ في هذا التوقيت من العام يعد في الأصل سلوكًا طبيعيًا يرتبط بارتفاع درجات حرارة المياه وهو ما يدفع بعض الأنواع إلى مغادرة المناطق العميقة والاتجاه نحو السواحل بحثًا عن الغذاء مع زيادة حاجتها إلى الطاقة خلال الطقس الدافئ.
لكن هذا التفسير العلمي لا يلغي مسؤولية الدولة عن تقييم المخاطر المتكررة لأن معرفة الجهات الرسمية مسبقًا بطبيعة تحركات القروش الموسمية كان يفترض أن تقابلها إجراءات احترازية واضحة تشمل الرصد المستمر للشواطئ والتنبيه الفوري للزائرين وتقييد السباحة عند الضرورة بدلًا من انتظار وقوع الذعر.
لذلك ناشدت السلطات المواطنين الحفاظ على الهدوء الكامل عند مشاهدة أي سمكة قرش في المياه وعدم الفزع أو الاندفاع مع التحرك ببطء شديد نحو الشاطئ لتفادي استفزاز غريزة الهجوم لدى القرش غير أن هذه الإرشادات بدت أقرب إلى رد فعل متأخر لا إلى خطة وقاية مسبقة.
ويؤكد الدكتور محمد سالم الخبير في إدارة المخاطر البيئية أن المشكلة ليست في ظهور القرش وحده بل في غياب نظام إنذار مبكر فعال على الشواطئ المزدحمة موضحًا أن الحكومة تعرف حساسية البحر الأحمر وتعرف سوابق الهجمات ومع ذلك لا توجد منظومة معلنة تضمن التدخل السريع قبل وصول الخطر إلى مناطق السباحة.
سجل هجمات القروش بالبحر الأحمر يفضح قصور الإجراءات الحكومية
في المقابل لا يمكن فصل واقعة القصير الأخيرة عن السجل الدموي لهجمات القروش في البحر الأحمر لأن مصر شهدت خلال السنوات الماضية حوادث متكررة أودت بحياة سائحين وأصابت آخرين بإصابات بالغة وهو ما جعل ملف السلامة البحرية حاضرًا بقوة كلما ظهر قرش قرب الشاطئ.
فقد شهدت مدينة شرم الشيخ واحدة من أكثر السلاسل رعبًا عندما تعرض ثلاثة سياح روس وسائح أوكراني لهجمات متتالية نسبت إلى قرشي الماكو والمحيطي ذو الزعنفة البيضاء وأسفرت تلك الوقائع عن بتر أطرافهم قبل أن تنتهي السلسلة بمقتل سائحة ألمانية سبعينية في حادث صادم.
وبعد ذلك سجلت مدينة القصير نفسها في مارس 2015 هجومًا خاطفًا لقرش من نوع ماكو على سائح ألماني في الخمسينيات من عمره حيث التهم القرش ساقه قبل أن يفارق الرجل الحياة متأثرًا بإصابته قبل وصوله إلى المستشفى وهو ما يثبت أن الموقع نفسه يحمل سابقة خطيرة.
لاحقًا تكرر المشهد في أغسطس 2018 بمدينة مرسى علم عندما هاجم قرش نمر سائحًا تشيكيًا على بعد كيلومترات من الشاطئ وتسببت الإصابات التي لحقت به في وفاته وهو حادث أكد أن الخطر لا يقتصر على الشواطئ القريبة بل يمتد إلى مناطق الأنشطة البحرية المفتوحة أيضًا.
ومن ثم جاءت واقعة سهل حشيش عام 2022 لتشكل ضربة قاسية لصورة المقصد السياحي المصري بعدما تعرضت سائحة نمساوية مسنة لهجوم موثق بكاميرات الهواتف داخل المياه قبل أن تموت في سيارة الإسعاف وبعد ساعات عثرت السلطات على جثة سائحة رومانية وأكدت التقارير الطبية أنها ضحية للسمكة نفسها.
أما في يونيو 2023 فقد شهد شاطئ دريم بيتش العام وسط مدينة الغردقة واحدة من أعنف الهجمات عندما قتلت أنثى قرش النمر سائحًا روسيًا شابًا في مشهد انتشر على نطاق واسع وأثار موجة ذعر دولية ثم تمكن صيادون محليون من صيد السمكة ونقلها لاحقًا إلى معهد علوم البحار لتحنيطها.
واستمر تتابع الحوادث مع إعلان وزارة البيئة المصرية في أواخر عام 2024 تسجيل هجوم جديد لسمكة قرش في أحد منتجعات مرسى علم أسفر عن مقتل سائح وإصابة آخر بجروح متفاوتة ما دفع السلطات حينها إلى فرض حظر مؤقت على الأنشطة البحرية وإعادة تقييم السلوك البيئي للقروش في المنطقة.
ويرى الدكتور حامد عبد الدايم المتخصص في الشؤون البيئية أن تكرار الحوادث بهذا الشكل يكشف ضعف التنسيق بين وزارات البيئة والسياحة والتنمية المحلية مشيرًا إلى أن الحكومة تتعامل مع كل حادثة باعتبارها أزمة منفصلة بينما المطلوب هو سياسة دائمة لإدارة السواحل تشمل المراقبة والتحليل وإعلان النتائج للرأي العام.
خبراء يهاجمون الحكومة ويطالبون بسياسة شفافة لحماية الشواطئ
على هذا الأساس يقول الدكتور حسام شاكر أستاذ علوم البحار إن ظهور القروش قرب الشواطئ ليس حدثًا غامضًا أو مستحيل التوقع لأن هناك مؤشرات بيئية معروفة تتعلق بدرجة الحرارة وحركة الفرائس ونشاط الإنسان البحري ولذلك فإن تجاهل بناء خرائط مخاطر موسمية يمثل تقصيرًا إداريًا واضحًا تتحمله الحكومة.
ويضيف شاكر أن الاكتفاء بإرسال السمكة المضبوطة إلى المعهد القومي لعلوم البحار خطوة علمية ضرورية لكنها لا تكفي وحدها لأن التشريح يشرح أسباب اقتراب هذه الحالة بعينها بينما تبقى الأسئلة الأهم مرتبطة بسبب غياب نظام معلن يربط نتائج الدراسات بقرارات تنفيذية فورية على الشواطئ.
كذلك يشير الدكتور محمد سالم إلى أن الحكومة لم تطور بروتوكولًا ثابتًا للتعامل مع الشواطئ عالية الخطورة رغم تراكم الوقائع في شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والقصير موضحًا أن كل منطقة تشهد حادثًا ثم تظهر استجابات مؤقتة تنتهي سريعًا من دون نشر قواعد رقابة موحدة أو معايير مساءلة محددة.
وبدوره ينتقد الدكتور حامد عبد الدايم طريقة الخطاب الرسمي التي تركز غالبًا على طمأنة السياح من دون تقديم بيانات تفصيلية كافية عن أسباب الحوادث ونتائج التحقيقات لأن غياب الشفافية يضعف الثقة العامة ويجعل المواطنين والعاملين في القطاع السياحي أمام معلومات ناقصة لا تساعدهم على تقدير الخطر الحقيقي.
إضافة إلى ذلك فإن تعليمات السلطات للمواطنين بضرورة الهدوء والتحرك البطيء عند مصادفة القرش تمثل جزءًا محدودًا من السلامة الشخصية لكنها لا تعالج أصل المشكلة لأن المسؤولية الأساسية تقع على الدولة التي تملك أدوات الرصد والإغلاق المؤقت وتقييم الأنشطة البحرية وتنظيم الحركة قرب المناطق الحساسة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية بئر فيوم 4 ومشروعات الغاز ومناطق النشاط البحري الأخرى في البحر الأحمر بوصفها مؤشرات على اتساع الاستخدام الاقتصادي للساحل ما يفرض على الحكومة موازنة دقيقة بين الاستثمار والحفاظ على البيئة البحرية وسلامة البشر بدلًا من إدارة الملفات بصورة مجزأة لا تمنع تكرار الأزمات.
كما أن تكرار الحوادث يهدد السياحة المصرية مباشرة لأن صور الهجمات المسجلة تنتشر دوليًا خلال ساعات وتؤثر على قرارات السفر والحجوزات وتضعف الثقة في كفاءة الإدارة المحلية للشواطئ ولذلك فإن كلفة الإهمال لا تقاس فقط بعدد الضحايا بل أيضًا بالخسائر الاقتصادية والسمعة المؤسسية للدولة.
وأخيرًا تكشف واقعة قرش القصير أن المشكلة لم تعد في ظهور سمكة مفترسة قرب شاطئ مزدحم فقط بل في استمرار فراغ إداري بين المعرفة العلمية والقرار التنفيذي إذ تملك المؤسسات المختصة تفسيرًا عامًا لتحركات القروش لكن الحكومة لم تقدم حتى الآن منظومة وقاية واضحة تمنع تحول هذا التفسير إلى مأساة جديدة.

