يرصد تقرير لصحيفة العربي الجديد تصاعد الجدل داخل مصر حول توجه الدولة نحو مشروعات الإسكان الفاخر والمدن الذكية، بينما يواجه ملايين المصريين أزمة معيشية خانقة وارتفاعًا غير مسبوق في أسعار السكن والإيجارات وتراجع القدرة الشرائية.


ينقل التقرير الذي أعده فريق صحيفة العربي الجديد حالة الغضب المتزايدة بعد افتتاح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مشروع “ذا سباين” داخل مدينة مدينتي شرق القاهرة، وهو مشروع عقاري ضخم تتجاوز قيمته 1.4 تريليون جنيه، في وقت يعجز فيه قطاع واسع من المواطنين عن شراء وحدات سكنية حتى داخل المشروعات المدعومة حكوميًا.


الإسكان الفاخر يهيمن على أولويات الدولة


تواصل الحكومة المصرية التوسع في مشروعات المدن الذكية والعقارات الفاخرة، بينما تتراجع مشروعات الإسكان منخفض التكلفة مقارنة بحجم الطلب الحقيقي. يمتد مشروع “ذا سباين” على مساحة ضخمة داخل مدينتي، ويحصل على تمويلات هائلة من البنك الأهلي المصري، ما عزز الانتقادات الموجهة إلى سياسات الدولة العمرانية.


تكشف دراسات مستقلة أن أكثر من ثلث السكان يعانون من “الحرمان الحضري”، بما يشمل السكن غير الملائم وضعف الخدمات الأساسية، بينما تركز الاستثمارات الكبرى على الطبقات الأكثر ثراءً. وتشير دراسة صادرة عن مركز الحلول البديلة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن الدولة تدفع بقوة نحو الإسكان الفاخر والمتوسط المرتفع، خاصة في العاصمة الإدارية الجديدة ومدن الجيل الرابع.


تضاعفت أسعار الوحدات السكنية بصورة ضخمة بعد انهيار قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، إذ قفزت أسعار بعض الوحدات الحكومية من نحو مليوني جنيه إلى أكثر من عشرة ملايين جنيه، ما جعل فكرة امتلاك منزل حلمًا بعيد المنال بالنسبة لغالبية المصريين.


الأزمة الاقتصادية تدفع المصريين نحو الاختناق


تعكس الطفرة العقارية الحالية أزمة اقتصادية أعمق يعيشها المواطن المصري، حيث تتآكل الدخول تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف الحياة اليومية. يلجأ المستثمرون إلى العقارات باعتبارها وسيلة لحفظ القيمة والهروب من تراجع العملة، بينما تتراجع القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة.


يحذر الخبير الاقتصادي أحمد بدرة من أن الاعتماد المفرط على العقارات غير المنتجة يحمل مخاطر طويلة المدى، لأنه يسحب رؤوس الأموال بعيدًا عن الاقتصاد الحقيقي. ويرى أن السوق العقارية تحولت إلى أداة مضاربة أكثر من كونها استجابة لحاجة سكنية فعلية.


كما يلفت وزير التضامن الاجتماعي الأسبق جودة عبد الخالق الانتباه إلى انتشار “المدن الفارغة”، حيث تظل آلاف الوحدات السكنية مغلقة رغم الأزمة السكنية المتفاقمة، بسبب ارتفاع الأسعار بشكل يتجاوز قدرات المواطنين.
تكشف الأرقام حجم الفجوة الاجتماعية؛ إذ تتطلب بعض الوحدات الفاخرة مقدمات بملايين الجنيهات وأقساطًا شهرية تتجاوز مئتي ألف جنيه، بينما قد يحتاج المواطن العادي إلى أكثر من 150 عامًا لشراء شقة صغيرة، وقد يصل الرقم إلى 600 عام لامتلاك وحدة داخل إحدى المدن الذكية الجديدة.


تحول الدولة إلى مطور عقاري يثير الانتقادات


يثير توسع الدولة في سوق العقارات الفاخرة انتقادات واسعة من خبراء الإسكان والاقتصاد، الذين يرون أن الحكومة تخلت تدريجيًا عن دورها الاجتماعي لصالح المنافسة داخل سوق النخبة.


يدعو خبير الإسكان ممدوح حمزة إلى مراجعة جذرية لاستراتيجية الإسكان في مصر، مؤكدًا أن السكن يجب أن يُعامل كخدمة عامة شبيهة بالتعليم والرعاية الصحية، لا كمجال استثماري يستهدف أصحاب الثروات فقط.


وفي الوقت نفسه، تسعى وزارة الإسكان إلى فتح مشروعات الإسكان الاجتماعي وقطاع المياه أمام القطاع الخاص ضمن سياسة ملكية الدولة، بحجة أن الشركات الخاصة تملك قدرة أكبر على التمويل واستخدام التكنولوجيا الحديثة. لكن هذه الخطوة تثير مخاوف إضافية من تراجع دور الدولة في توفير السكن منخفض التكلفة.


تكشف أزمة الإسكان في مصر عن فجوة متزايدة بين المشروعات العملاقة التي تروّج لها الحكومة والواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه المواطنون. وبينما تتوسع المدن الذكية والأبراج الفاخرة، يواجه ملايين المصريين ضغوطًا اقتصادية خانقة تجعل الحصول على سكن ملائم أكثر صعوبة، في ظل تضخم مستمر وتراجع القوة الشرائية وغياب حلول جذرية تراعي احتياجات الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

 

https://www.newarab.com/news/luxury-housing-boom-fuels-fears-poorer-egyptians?amp