حذرت وقائع بيع الأدوية عبر الإنترنت ومنصات التواصل من توسع سوق مجهول يروّج أدوية مزمنة وتخسيس وتجميل ومكملات غذائية بلا ترخيص، بينما تتحول صفحات مجهولة إلى صيدليات سحابية تبيع المرض للمواطنين بدل الدواء الآمن.
وكشفت الفوضى أن الحكومة تركت المرضى أمام سوق دوائي بلا بوابة رقابية واضحة، فاستغل مروجو الأدوية حاجة مرضى السكري والضغط والقلب والأورام، وباعوا منتجات مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية في ظل غياب الصيدلي المرخص وضعف الردع.
سوق دواء خارج الصيدليات يطارد المرضى على المنصات
توسعت صفحات بيع الأدوية على منصات التواصل ومواقع الإنترنت، وبدأت هذه الصفحات تقدم نفسها كبديل سهل للصيدليات، بينما تخفي عن المستهلك مصدر الدواء ورقم تسجيله وطريقة حفظه، وتتعامل مع المرضى كزبائن لا كحالات صحية تحتاج إشرافًا مهنيًا.
ومع هذا التوسع، ظهرت صيدليات رقمية وهمية تروّج منتجات مجهولة المصدر، وتبيع أدوية غير مرخصة أو مغشوشة أو منتهية الصلاحية، ثم تستغل غياب الفاتورة الرسمية وغياب بيانات البائع لتفلت من المحاسبة عندما يتعرض المريض لمضاعفات أو تسمم دوائي.
وبسبب غياب الرقابة الفعالة، دخلت أدوية الأمراض المزمنة إلى هذا السوق المفتوح، فصار بعض المروجين يبيعون أدوية للسكري والضغط والقلب والأورام دون وصفة ودون متابعة، رغم أن هذه الأدوية قد تسبب تفاعلات خطيرة عندما يستخدمها المريض مع علاج آخر.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الصيدلي محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، جوهر الأزمة لأنه يربط تجارة الدواء غير الآمن بضعف الرقابة وغياب الشفافية في السوق، فالمشكلة لا تقف عند صفحة مخالفة بل تمتد إلى منظومة تسمح بتداول منتج يمس حياة الناس.
غياب الصيدلي يحول العلاج إلى مقامرة صحية
عندما يشتري المريض دواءه من صفحة مجهولة، يفقد حقه في سؤال الصيدلي عن الجرعة والتداخلات الدوائية وطريقة الاستخدام، كما يفقد حقه في الرجوع إلى مؤسسة مرخصة إذا ظهر عرض جانبي أو اتضح أن المنتج غير صالح أو غير مطابق للمواصفات.
لذلك تتحول أدوية التخسيس والتجميل والمكملات الغذائية إلى باب واسع للخطر، لأن كثيرًا من هذه المنتجات يعتمد على وعود سريعة ومضللة، ويستهدف مرضى يبحثون عن حل رخيص أو عاجل، بينما قد تحتوي العبوات على مواد فعالة غير معلنة أو جرعات غير آمنة.
ثم تتضاعف المخاطر مع أدوية الأورام والقلب والسكري، لأن الخطأ في الدواء أو الجرعة لا ينتج خسارة مالية فقط، بل قد يؤدي إلى فشل العلاج أو ارتفاع مفاجئ في الضغط أو اضطراب السكر أو تدهور حالة مريض يحتاج علاجًا مضبوطًا ومتابعة منتظمة.
وهنا يأتي دور الدكتور محمد عز العرب، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي، لأن خبرته الطبية تدعم التحذير من العلاج بلا إشراف، فالمريض الذي يتناول دواء مجهول المصدر لا يعرف تأثيره على الكبد أو الكلى أو القلب، ولا يعرف تفاعله مع أدويته الأساسية.
حكومة تعرف الخطر ولا تغلق بوابة السموم
رغم أن هيئة الدواء المصرية حذرت من شراء الأدوية عبر الإنترنت ومن مصادر غير موثوقة، فإن التحذير وحده لا يكفي عندما تنتشر الصفحات وتغير أسماءها وتستخدم الإعلانات الممولة وتصل إلى المرضى داخل بيوتهم، بينما يظل المواطن مسؤولًا وحده عن التمييز بين الدواء والسم.
وبناء على ذلك، تصبح المطالبة بحجب الصفحات المخالفة وإنشاء وحدة رصد رقمية ضرورة لا رفاهية، لكن هذه الخطوة تفقد قيمتها إذا بقيت موسمية أو مرتبطة بحملة عابرة، لأن سوق الدواء المغشوش يتحرك بسرعة أكبر من بيانات التحذير ومن البلاغات الورقية.
كما أن تغليظ العقوبات لا يصبح فعالًا إلا إذا رافقه تتبع واضح لسلاسل التوريد، ومحاسبة لمن يعلن ويخزن ويوزع ويمول، لأن المروج الصغير لا يعمل وحده، ولأن الصفحة التي تبيع الدواء مجهول المصدر تعتمد غالبًا على مخزن ومورد وشركة شحن وحسابات دفع.
وفي هذا السياق، يقدم رأي الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، سندًا حقوقيًا للملف لأنها تنظر إلى الدواء كحق صحي لا كسلعة عادية، فترك السوق الإلكتروني بلا ضبط يعني أن الدولة تتخلى عن واجبها في حماية المريض وقت المرض والحاجة.
وبالتالي لا تنحصر الأزمة في مخالفة بيع عبر الإنترنت، بل تكشف عجزًا حكوميًا عن بناء نظام يحمي الدواء من لحظة إنتاجه أو استيراده حتى وصوله إلى يد المريض، ويضمن أن كل عبوة تحمل مصدرًا معلومًا ورقابة واضحة ومسؤولًا يمكن محاسبته.
وفي المقابل، تتضرر الصيدليات المرخصة لأنها تلتزم بمكان معروف وتفتيش وشروط حفظ وضرائب وعمالة وصيدلي مسؤول، بينما ينافسها سوق مجهول يبيع بلا ترخيص وبلا كلفة قانونية، ثم يترك فاتورة الخطر على المريض وعلى المستشفيات وعلى أسر الفقراء.
وتزداد الفوضى عندما تتعامل الحكومة مع الأزمة كملف توعية فقط، لأن المواطن الذي يطارد الدواء الناقص أو يبحث عن سعر أقل لا يحتاج منشورًا تحذيريًا وحده، بل يحتاج توافر الدواء الرسمي بسعر محتمل ورقابة تقطع طريق المحتالين قبل وصولهم إليه.
لذلك تتطلب المواجهة إعلان خريطة واضحة للصفحات المحجوبة، ونشر قوائم دورية بالمنتجات المضبوطة، وإجبار المنصات على إزالة إعلانات الدواء غير المرخص، وتمكين المواطنين من التحقق من تسجيل الدواء عبر وسيلة سهلة لا تحتاج معرفة تقنية أو زيارة مكتب حكومي.
وتبقى الخلاصة أن الصيدليات السحابية لم تظهر من فراغ، بل خرجت من فراغ رقابي وسوق دواء مضطرب وثقة ضعيفة في قدرة المؤسسات على الحماية، وإذا لم تتحرك الحكومة من التحذير إلى الإغلاق والمحاسبة والتتبع، فسيدفع المرضى ثمن الفوضى من صحتهم وحياتهم.

