أثار مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر موجة جدل واسعة بعد طرح مواد تمنح الزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر عند ثبوت التدليس، وتضع الأب في المرتبة 2 بعد الأم في ترتيب الحضانة، بينما قدمت الحكومة هذه التعديلات باعتبارها طريقا لتحقيق العدالة والاستقرار المجتمعي.
وتكشف هذه الصياغات أن السلطة تتعامل مع الأسرة المصرية باعتبارها ملفا قانونيا يمكن ضبطه من أعلى، بينما يعيش ملايين الأزواج والزوجات والأطفال تحت ضغط اقتصادي واجتماعي يومي، يجعل أي مادة غير منضبطة سببا جديدا للنزاع داخل المحاكم لا مخرجا من أزمة الأحوال الشخصية.
فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر يفتح معركة التدليس أمام المحاكم
في البداية، منح مشروع القانون الزوجة حق طلب فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر من تاريخه إذا ثبت أن الزوج ادعى صفات غير حقيقية دفعتها إلى إتمام الزواج، واشترط النص عدم وجود حمل أو إنجاب، وبذلك انتقل الخلاف من دائرة الطلاق المعتادة إلى باب فسخ العقد وآثاره المالية.
وبحسب تصريحات الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، فإن المادة تعد الأكثر حساسية لأنها ترتبط بحالات التدليس وإخفاء معلومات جوهرية تؤثر في الرضا بالعقد، كما أكد أن فسخ العقد يختلف عن الطلاق التقليدي بسبب آثاره القانونية والمالية المعقدة على الطرفين.
لذلك، يخدم رأي المحامية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، هذا المحور بصورة مباشرة، لأنها ربطت أزمة قوانين الأسرة بغياب الشفافية والحوار الحقيقي، واعتبرت أن تمرير مشروع غير واضح أمام المجتمع يعيد إنتاج الشكوك نفسها التي صاحبت مشروعات سابقة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو مادة الفسخ نصا بسيطا لحماية الزوجة من الخداع، لأن غياب تعريف دقيق للتدليس الجوهري قد يحول المادة إلى ساحة ادعاءات متبادلة، ويضع القاضي أمام وقائع شخصية صعبة الإثبات، ويفتح الباب أمام نزاعات مالية ونفسية بعد أشهر قليلة من الزواج.
وعلى هذا الأساس، طالب محمد ممدوح بضوابط صارمة وآليات إثبات واضحة حتى يبقى الفسخ استثناء مرتبطا بالحالات الجسيمة فقط، لكن المشروع يظل خطرا إذا اكتفى بالشعار الحقوقي دون قواعد تنفيذ دقيقة، لأن الأسرة لا تتحمل نصا غامضا يضاعف القضايا بدل إنهائها.
تقديم الأب في الحضانة يغير فلسفة الرعاية وسط صراع اجتماعي مفتوح
في المقابل، وضع مشروع القانون الأب في المرتبة 2 بعد الأم ضمن ترتيب الحضانة، وقدم أنصار التعديل هذا النص باعتباره استجابة لمطالب مجتمعية تمنح الأب دورا أكبر بعد الانفصال، بينما رأى محمد ممدوح أن هذه الخطوة تمثل تحولا جوهريا في الفلسفة التشريعية الخاصة برعاية الطفل.
غير أن جوهر الخلاف لا يقف عند ترتيب الأسماء في النص القانوني، لأن الحضانة ترتبط بمكان إقامة الطفل وتعليمه واستقراره النفسي ومصروفاته اليومية، ولذلك لا يكفي أن يقول المشروع إن مصلحة الطفل هي الأساس، بل يجب أن يضمن أدوات تمنع استخدام الطفل سلاحا بين الطرفين.
وهنا يخدم رأي المحامية نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، هذا المحور بوضوح، لأنها طالبت بمعالجة شاملة لقانون الأسرة تعتمد على دراسات واقعية لا على طرح عاطفي أو انتقائي، وحذرت من أن القانون قد يبقى حبرا على ورق إذا غابت الآليات واللوائح.
وبناء على ذلك، فإن تقديم الأب بعد الأم لا ينتقص وحده من دور الأم، لكنه يصبح مشكلة إذا جاء داخل منظومة لا تحسم الولاية التعليمية والرؤية والاستضافة والنفقة وتنفيذ الأحكام، لأن الطفل يحتاج ترتيبا واضحا للحياة اليومية لا نصا يفتح خلافا جديدا عند كل قرار مدرسي أو طبي.
ثم يرتبط هذا الخطر بما قاله محمد ممدوح عن ضرورة حماية الاستقرار النفسي للأطفال بعيدا عن صراعات الأطراف، لأن الطفل لا ينتظر خطابا حكوميا عن التوازن، بل يحتاج ضمانات عملية تمنع نقل النزاع من المحكمة إلى البيت والمدرسة ومراكز التسوية وأقسام الشرطة.
الحكومة تبيع القانون كاستقرار بينما تخفي أزمة المجتمع والمحاكم
على الجانب السياسي، قدم عضو مجلس الشيوخ اللواء عصام العزب المشروع باعتباره امتدادا لرؤية عبد الفتاح السيسي في دعم كيان الأسرة وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما وصف المرحلة الحالية بأنها فرصة لإقرار تشريع ينصف الجميع، وربط تمكين المرأة بأولويات التوجه الجديد.
لكن هذه اللغة الرسمية لا تلغي أن قانون الأسرة يأتي في بلد مثقل بغلاء المعيشة وضغط السكن والعمل وتكاليف الزواج والانفصال، لذلك يصبح الحديث عن الاستقرار ناقصا إذا تجاهل البيئة التي تنتج النزاعات، لأن التشريع لا يعمل في فراغ اجتماعي ولا يحل وحده أزمة المحاكم الطويلة.
ومن هنا، تخدم قراءة المحامية أميرة بهي الدين هذا المحور، لأنها تنبه في نقاشاتها حول قوانين الأسرة إلى أن النصوص المنظمة للعلاقة بين الزوجين والأطفال تحتاج صياغة دقيقة ومساواة واضحة أمام المحكمة، لا عبارات واسعة تمنح السلطة التنفيذية والبرلمان مساحة لتسويق القانون سياسيا.
كما أن المادة 7 التي تمنح الزوجة حق طلب الفسخ قضاء خلال 6 أشهر لا تنفصل عن بقية مشروع القانون، لأن الحكومة تعرضها كدليل إنصاف للمرأة، بينما تتجنب مواجهة الأسئلة الأصعب حول سرعة التقاضي وتنفيذ الأحكام ونفقات الأطفال وحق الطرف غير الحاضن في علاقة آمنة ومنضبطة.
وفي الوقت نفسه، تكشف إحالة المشروع إلى البرلمان أن السلطة تريد حسم ملف شديد الحساسية عبر مسار تشريعي تقوده الحكومة، مع أن قانونا يمس الزواج والطلاق والحضانة والنفقة يحتاج نقاشا عاما مفتوحا، لأن أي نقص في الصياغة سيدفع ثمنه ملايين المواطنين أمام القضاة.
لذلك، لا يمكن اختزال مشروع قانون الأسرة الجديد في عبارة فسخ الزواج خلال 6 أشهر أو ترتيب الأب بعد الأم في الحضانة، لأن المسألة الأعمق تتعلق بطريقة صناعة القانون نفسها، وهل تستمع الحكومة للمتضررين والخبراء المستقلين أم تكتفي بتصريحات رسمية عن التوازن والاستقرار.
وفي الخلاصة، يضع المشروع الأسرة المصرية أمام اختبار تشريعي شديد الخطورة، لأن الحكومة ترفع شعار العدالة بينما تقدم نصوصا تحتاج ضبطا دقيقا قبل التطبيق، وإذا خرج القانون بصياغة غامضة فسيزيد القضايا ويعمق الشكوك ويترك الأطفال والنساء والآباء داخل صراع أطول من الزواج نفسه.

