جاءت واقعة سحب الجنسية من السفير الكويتي السابق بدر محمد إبراهيم العوضي لتفتح ملف شائك وأداة تحولت إلى سلاح للعقاب الفردي والجماعي لأي صوت معارض في الكويت مما ينذر بخطر التفكك المجتمعي في دولة صغيرة لا تمتلك ترف حدوث هذا التفكك وخاصة في الظروف الراهنة التي يشتعل فيها الصراع بالمنطقة.
مملكة البحرين اخذت موقفًا إيجابيًا وتضامنيًا فأصدرت مرسوما بمنح السفير الكويتي السابق بدر العوضي جنسيتها وتعيينه مستشارا لوزير الخارجية للشؤون الدبلوماسية بالدرجة الممتازة، وذلك بعد أشهر من سحب الجنسية الكويتية منه بالتبعية عقب سحبها من والده الراحل، في واقعة حوّلت ملف الجنسية من إجراء إداري إلى أزمة خليجية كاشفة لحجم الخلل داخل الكويت.
وجاءت خطوة البحرين في توقيت بالغ الدلالة لأنها لم تتعامل مع العوضي كشخص فقد وثيقة سفر فقط، بل كدبلوماسي سابق تولى منصب سفير الكويت لدى بريطانيا وأيرلندا الشمالية منذ يونيو 2022 حتى أبريل 2025، بينما بدت الكويت كأنها تستخدم الجنسية أداة عقاب لا رابطة قانونية مستقرة بين الدولة والمواطن.
العوضي يكشف انتقال السحب من الاستثناء إلى القاعدة
أوضح قرار البحرين أن أثر سحب الجنسية الكويتية لم يعد محصورا في مجهولين أو ملفات هامشية، لأن الواقعة مست سفيرا سابقا عمل في موقع خارجي حساس، وهو ما منح القضية ثقلا سياسيا مضاعفا، فالسلطة الكويتية بررت السحب بملف اكتساب الجنسية وبياناته الأصلية، لكن النتيجة العامة أظهرت هشاشة الوضع القانوني حتى لمن خدم الدولة في أعلى مواقعها.
ولفتت الواقعة إلى أن التبعية القانونية أصبحت مدخلا خطيرا للعقاب الجماعي، لأن سحب الجنسية من أصل عائلي قد يمتد إلى أبناء وأقارب اكتسبوها بحكم القانون، وهذا يعني أن الفرد قد يدفع ثمن ملف لا يخص فعله الشخصي المباشر، فيتحول القرار من مساءلة محددة إلى هدم كامل لمركز قانوني واجتماعي استقر لسنوات طويلة.
ويبين الباحث سلطان العامر في تحليله المنشور بمجلة نيو لاينز أن حملة السحب اتسعت منذ مارس 2024 على نحو غير مسبوق، وأن بعض التقديرات تتحدث عن عشرات الآلاف ممن فقدوا جنسيتهم، وهو ما يضع حالة بدر العوضي داخل مسار أوسع لا داخل خطأ إداري منفصل، لأن القانون صار يعيد تعريف المواطن بعد منحه الاعتراف الرسمي.
42 ألف كويتي أسقطت عنهم الجنسية خلال 6 أشهر
وأكدت تقارير حقوقية وإخبارية أن الكويت شددت قانون الجنسية في أبريل 2026 بمرسوم جديد وسعت من خلاله صلاحيات منح الجنسية وسحبها، وقدمت الحكومة هذه التعديلات باعتبارها مراجعة للهوية الوطنية ومكافحة للغش، لكن المعارضين يرون أن النصوص الواسعة تجعل المواطن تحت تهديد دائم بدل أن تحميه من تعسف السلطة.
وفي موازاة ذلك، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن نحو 42 ألف شخص فقدوا الجنسية خلال ستة أشهر، بينما تحدثت تقارير أحدث عن تجاوز العدد 50 ألفا منذ سبتمبر 2024، وهذا الاتساع الرقمي ينقل الملف من خانة التدقيق القانوني إلى سياسة عامة تمس البنية السكانية وتربك الأسر والعمل والتعليم والسفر والملكية. ويرى فلاح سيد من منظمة مينا رايتس غروب أن إسقاط الجنسية في الكويت أصبح أداة متكررة لإسكات المعارضين، واعتبره جزءا من نمط أوسع في استخدام قوانين الجنسية ضد المدافعين عن الحقوق، وهذا الرأي يفسر لماذا يخشى الكويتيون من تحول الملف إلى سلاح سياسي يتجاوز فحص التزوير إلى ضبط المجال العام.
النساء والعائلات يدفعون ثمن العقاب الجماعي
أشارت ريم السالم مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات في سبتمبر 2025 إلى قلق عميق من سحب الجنسية عن عشرات الآلاف، مؤكدة أن النساء المتجنسات عبر الزواج تضررن بصورة غير متناسبة، وأن القرار ضرب العمل والملكية والمعاشات والسكن والسفر والخدمات الأساسية، وهذه شهادة أممية تكشف الجانب الاجتماعي لا القانوني فقط.
كما أكدت منظمة العفو الدولية أن السلطات الكويتية سحبت الجنسية من عشرات الآلاف بأثر رجعي بعد تعديلات قانون الجنسية، وأن الأثر طال خصوصا نساء حصلن على الجنسية عبر الزواج من كويتيين، ما جعل الحرمان من الوثيقة بابا لحرمان أوسع من الخدمات والحقوق، وهذا يعني أن العقوبة لا تقف عند الشخص بل تمتد إلى بيت كامل.
أخطر وثيقة بحياة الإنسان في مهب الريح
وفي ظل هذه الخلفية، لا تبدو قضية بدر العوضي شأنا شخصيا أو خبرا بروتوكوليا عن تجنيس بحريني، بل تبدو دليلا على أن دولة خليجية أخرى التقطت شخصا أسقطته بلده من مظلتها القانونية، بينما يبقى آلاف الأقل حظا بلا بديل ولا منصب ولا حماية، فيتسع الفارق بين من تنقذه السياسة ومن تتركه البيروقراطية بلا جنسية.
واخيرا تكشف الخلاصة أن سحب الجنسية حين يتحول إلى سياسة عقابية لا يحمي الدولة بل يضرب ثقة المجتمع في قانونها، لأن المواطن الذي يرى الجنسية قابلة للإلغاء بقرار إداري لن يشعر بالأمان داخل وطنه، ولذلك تصبح واقعة بدر العوضي إنذارا واضحا بأن الكويت لا تواجه أزمة تزوير فقط، بل أزمة دولة تستخدم أخطر وثيقة في حياة الإنسان كسلاح لإعادة تشكيل المجتمع.

