كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تصاعد مقلق في حالات الانتحار داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ بداية عام 2026، إذ سجل الجيش ما لا يقل عن 10 حالات انتحار بين العسكريين، بينهم 6 حالات خلال أبريل وحده، إضافة إلى انتحار ضابطين في الشرطة الإسرائيلية خلال الشهر نفسه.

 

وتأتي هذه الأرقام في ظل تداعيات حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، وما خلفته من ضغوط نفسية متراكمة داخل صفوف الجنود، وسط اعترافات إسرائيلية بصعوبة احتواء الظاهرة وفشل آليات الدعم النفسي داخل الجيش.

 

تصاعد غير مسبوق في حالات الانتحار

 

بحسب ما نقلته “هآرتس”، شهد شهر أبريل 2026 وحده انتحار 6 عسكريين في الخدمة الفعلية، ما رفع عدد المنتحرين داخل الجيش الإسرائيلي منذ بداية العام إلى 10 على الأقل.

 

كما سجل الشهر نفسه انتحار ضابطين في الشرطة الإسرائيلية، من دون أن تكشف الصحيفة رتبتيهما أو تفاصيل إضافية عن ملابسات وفاتهما.

 

وتشير هذه الأرقام إلى استمرار منحى تصاعدي بدأ مع اندلاع الحرب على غزة، إذ سجل الجيش الإسرائيلي 17 حالة انتحار في عام 2023، بينها 7 حالات بعد بدء الحرب، ثم ارتفع العدد إلى 21 حالة في 2024، و22 حالة في 2025.

 

حرب غزة تضغط على الجنود نفسيًا

 

ربطت الصحيفة الإسرائيلية الزيادة في حالات الانتحار بتداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة، مشيرة إلى أن الضغوط النفسية المتراكمة على الجنود، خاصة مع طول أمد القتال وتكرار الاستدعاء للخدمة، انعكست بشكل واضح على الحالة النفسية داخل الجيش.

 

ونقلت “هآرتس” عن مسؤول بارز في شعبة القوى البشرية بالجيش الإسرائيلي قوله: “في بداية الحرب ظننا أننا نسيطر على الوضع، وهذا انفجر في وجوهنا”.

 

ويكشف هذا التصريح حجم الإرباك داخل المؤسسة العسكرية، التي تواجه أزمة نفسية آخذة في الاتساع بين الجنود، في ظل اعتراف مصادر عسكرية بأن بعض من يعانون من ضائقة نفسية لا يتوجهون لتلقي العلاج.

 

إخفاقات في الدعم النفسي داخل الجيش

 

أشارت الصحيفة إلى سلسلة إخفاقات داخل الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الجنود المصابين بصدمات نفسية، بينها إلغاء أيام الدعم النفسي لجنود الاحتياط، وتراجع وجود ضباط الصحة النفسية في الميدان.

 

كما تحدث جنود وخبراء في دعم المصابين بالصدمات عن ضعف اهتمام القادة بالعلامات المبكرة التي قد تظهر على الجنود قبل الوصول إلى مراحل خطرة.

 

وبحسب “هآرتس”، تقر مصادر عسكرية بأن الجيش يواجه صعوبة في اتخاذ خطوات فعالة للحد من الظاهرة، خاصة في الحالات التي يرفض فيها الجنود أو يتجنبون طلب المساعدة النفسية.

 

تبريرات عسكرية وشكوك خبراء

 

حاول بعض ضباط شعبة القوى البشرية تفسير ارتفاع الحالات خلال أبريل بارتباطه بإحياء ما يسمى “ذكرى قتلى حروب إسرائيل”، وما يصاحبها من أجواء حزن وفقدان داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

لكن مختصين في الصحة النفسية شككوا في هذا التفسير، مؤكدين أنهم لم يرصدوا في السنوات السابقة ارتفاعًا مشابهًا خلال هذه الفترة من العام.

 

ويرى هؤلاء أن استمرار القتال في غزة، والضغط المتراكم على عدد محدود من الجنود، وتكرار تعرضهم لمشاهد العنف والموت، تمثل عوامل أكثر تأثيرًا في تفاقم الأزمة النفسية داخل الجيش.

 

أعلى معدل منذ 15 عامًا

 

كانت “هآرتس” قد كشفت في تقرير سابق أن عام 2025 شهد انتحار 22 جنديًا في الخدمة الإلزامية، وهو أعلى معدل يسجل داخل الجيش الإسرائيلي خلال 15 عامًا.

 

وتقارن هذه الأرقام بمتوسط سنوي بلغ نحو 12 حالة انتحار خلال العقد السابق للحرب، مع تسجيل 28 حالة في عام 2010 بوصفه أعلى رقم خلال السنوات الماضية.

 

وتؤكد الصحيفة أن الارتفاع الحالي لا يمثل حادثًا منفصلًا، بل يعكس اتجاهًا متصاعدًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ بدء حرب غزة.

 

حرب الخارج ترتد إلى الداخل الإسرائيلي

 

تكشف أرقام الانتحار داخل الجيش الإسرائيلي جانبًا آخر من تكلفة الحرب على غزة، إذ لم تقتصر تداعياتها على الفلسطينيين الذين تعرضوا للقتل والتهجير والتدمير، بل امتدت أيضًا إلى صفوف الجنود المشاركين في العمليات العسكرية.

 

وتضع هذه الظاهرة قيادة الجيش والحكومة الإسرائيلية أمام أزمة داخلية صعبة، فاستمرار الحرب وتجاهل آثارها النفسية على الجنود يضاعف الانهيار داخل المؤسسة العسكرية، ويؤكد أن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة بدأت ترتد بقوة على مجتمعها وجيشها.