تكشف الهجمات المنسقة في مالي انهيار رواية المجلس العسكري عن استعادة الأمن، بعدما وصلت النيران إلى باماكو وكيدال وغاو وسيفاري، وامتدت إلى مقر وزير الدفاع ساديو كامارا قرب العاصمة.

 

وتضع تقارير مقتل كامارا، إذا تأكدت رسميًا، السلطة العسكرية أمام ضربة غير مسبوقة، لأن الرجل كان عنوان التحالف مع روسيا، بينما أثبتت الهجمات أن الدعم الروسي لم يمنع سقوط مواقع سيادية.

 

ضربة قرب باماكو تطارد وزير الدفاع وتكسر صورة السلطة العسكرية

 

كشفت تقارير فرنسية، نقلتها وسائل دولية لاحقًا، عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا وعدد من أفراد أسرته إثر هجوم استهدف مقر إقامته في كاتي قرب باماكو، بينما لم تؤكد السلطات المالية رسميًا مقتله حتى الآن، واكتفت روايات أخرى بتأكيد استهداف منزله وتدميره.

 

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، قالت شهادات محلية إن مقر إقامة وزير الدفاع ساديو كامارا في كاتي تضرر بشدة جراء انفجار خلال الهجوم، في وقت أعلنت الحكومة إصابة 16 شخصًا من مدنيين وعسكريين، من دون أن تقدم حصيلة نهائية للقتلى أو تفاصيل كافية عن القيادات المستهدفة.

 

ثم جاءت هذه الضربة ضمن هجمات منسقة استهدفت العاصمة باماكو ومناطق أخرى، حيث أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة مسؤوليتها عن عمليات مشتركة مع جبهة تحرير أزواد، شملت مطار باماكو الدولي ومدنًا في الشمال والوسط.

 

وبذلك لم تعد الأزمة في مالي محصورة في الأطراف البعيدة، لأن الهجوم وصل إلى محيط العاصمة ومواقع سيادية يفترض أن تكون الأكثر تحصينًا، وهو ما يكشف فشل السلطة العسكرية في حماية مراكز الحكم رغم سنوات من الخطاب الأمني والتحالفات المسلحة.

 

وفي هذا السياق، يكتسب تقييم الباحث فاسيم نصر، المتخصص في الجماعات الجهادية، أهمية خاصة لأنه يتابع صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل، وقد أكد في تحليلات سابقة أن الجماعة طورت قدراتها العملياتية واتسعت قدرتها على الحركة بين الجبهات، وهو ما ظهر في الهجوم الأخير.

 

كيدال وغاو وسيفاري تكشف اتساع الهجوم وانكماش سيطرة الدولة

 

تزامن استهداف باماكو مع قتال عنيف في كيدال وغاو وسيفاري وموبتي، وذكرت رويترز أن الاشتباكات استمرت إلى يوم ثان في كاتي قرب العاصمة، بينما تحدثت الجبهة الأزوادية عن استعادة كيدال ومحاصرة معسكر يضم قوات مالية ومقاتلين روس.

 

وقبل ذلك، أعلنت جبهة تحرير أزواد السيطرة على كيدال السبت، ثم قالت تقارير إن القتال استؤنف صباح الأحد داخل المدينة، حيث تحدث متحدث باسم المتمردين عن محاولة لطرد آخر المقاتلين الروس الذين لجأوا إلى معسكر داخل المدينة.

 

وتحمل كيدال دلالة سياسية وأمنية كبيرة، لأن الجيش المالي استعادها في نوفمبر 2023 بدعم روسي بعد أكثر من 10 سنوات من سيطرة حركات التمرد، ولذلك تمثل عودة القتال إليها أو فقدان أجزاء منها انتكاسة مباشرة للمجلس العسكري وحلفائه.

 

كما أعلنت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على مواقع في منطقة غاو، وهو ما يشير إلى اتساع الهجوم خارج نقطة واحدة، ويؤكد أن التعاون بين الانفصاليين والجماعة المرتبطة بالقاعدة لم يكن رمزيًا، بل ظهر في عمليات متزامنة أربكت الجيش على أكثر من محور.

 

وفي هذا الإطار، يرى الباحث أليكس ثورستون، المتخصص في شؤون الساحل، أن الحكم العسكري في مالي عمق مأزق الدولة بدل أن يعالجه، لأن العسكر ورثوا أزمة أمنية ثم وسعوها عبر العزلة الإقليمية والاعتماد على أدوات قسرية لا تبني شرعية محلية.

 

التحالف مع روسيا لا يمنع الهجمات وفشل الحكومة يفتح مرحلة أخطر

 

ارتبط اسم ساديو كامارا بإعادة تشكيل الجيش المالي وتعزيز التعاون العسكري مع روسيا بعد تراجع النفوذ الفرنسي، وقد فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات في يوليو 2023 بسبب اتهامه بالمساعدة في نشر مجموعة فاغنر داخل مالي، قبل أن يظل الرجل رمزًا للمسار الروسي الجديد.

 

لكن الهجمات الأخيرة كشفت أن التحالف الروسي لم يقدم للسلطة العسكرية ضمانة أمنية كافية، لأن المسلحين استهدفوا مواقع داخل باماكو ومحيط كاتي، كما تحدثت تقارير عن قتال ضد عناصر روسية في كيدال، وعن مواقع باتت خارج سيطرة الحكومة أو تحت نزاع مباشر.

 

وبحسب تحليل مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية، لا ينبغي الخلط بين نشر مرتزقة فاغنر ومعالجة الوضع الأمني في مالي، لأن وجودهم يمثل وسيلة لتوسيع النفوذ الروسي ودعم المجلس العسكري، لا حلًا سياسيًا أو أمنيًا لجذور الصراع في الساحل.

 

كما يقول الباحث مايكل شوركين إن نفوذ فاغنر في إفريقيا يستند إلى موارد أوسع من واجهة يفغيني بريغوجين، وإن استمرار الدعم الروسي يعني أن نموذج التدخل سيبقى حاضرًا، لكن هذا الحضور لا يعني بالضرورة قدرة على إنهاء التمرد أو منع ضربات واسعة.

 

وفي المقابل، قالت الحكومة المالية إن الوضع تحت السيطرة، وأعلنت إصابة 16 شخصًا فقط وأضرارًا محدودة، لكن هذا الخطاب يتعارض مع اتساع رقعة الهجمات وتزامنها واستهدافها مواقع سيادية، كما يتعارض مع استمرار إطلاق النار في كاتي وعودة المعارك إلى كيدال.

 

وتأسست جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عام 2017 من اندماج عدة تنظيمات متشددة، ويقودها إياد أغ غالي، وقد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أخطر التهديدات في الساحل، بينما منح التعاون مع جبهة تحرير أزواد الهجوم الأخير بعدًا سياسيًا وعسكريًا أوسع.

 

وفي النهاية، لا تستطيع باماكو دفن الأزمة بعبارة الوضع تحت السيطرة، لأن ضرب مقر وزير الدفاع واستعادة كيدال أو أجزاء منها واستهداف المطار ومواقع الجيش تعني أن الحكم العسكري فقد زمام المبادرة، وأن مالي تدخل مرحلة أخطر يدفع المدنيون ثمنها أولًا.