وافق مجلس الوزراء في 22 أبريل 2026 على مشروع قرار يضع ضوابط ومعايير موحدة لاختيار ممثلي الدولة وشركاتها في مجالس الإدارات والجمعيات العامة، مع متابعة الأداء وتقييمه بصورة دورية. القرار قُدم باعتباره خطوة لرفع الكفاءة وتعزيز الشفافية، لكنه يأتي بعد سنوات طويلة جرى فيها التعامل مع كثير من الشركات المملوكة للدولة أو المساهمة فيها بمنطق إداري مغلق، يقوم على التعيين من أعلى أكثر مما يقوم على المنافسة المفتوحة أو الفحص المهني الصارم. لذلك لا يبدو ما جرى مجرد تعديل إجرائي محدود، بل اعتراف متأخر بأن ملف الإدارة داخل هذه الشركات ظل أحد أبواب الخلل الرئيسية التي عطلت الكفاءة وحمت شبكات النفوذ وأبقت المحاسبة في الحدود الدنيا.

 

المفارقة أن الحكومة التي تتحدث الآن عن الحيدة والنزاهة وتكافؤ الفرص، هي نفسها التي أدارت هذا الملف لسنوات داخل بيئة اقتصادية اتسع فيها حضور الدولة وشركاتها على حساب القطاع الخاص، وتزايدت فيها الشكاوى من تداخل الملكية بالإدارة ومن غياب الحدود الواضحة بين القرار الاقتصادي والاعتبارات غير الاقتصادية. ولهذا فإن أهمية القرار لا تتعلق بنصوصه فقط، بل بما يكشفه من حجم المشكلة التي تراكمت حتى صارت الحوكمة نفسها بندا ملحا في خطاب الحكومة أمام المؤسسات الدولية وأمام المستثمرين وأمام الرأي العام الداخلي. كما أن هذا القرار يفتح بابا حساسا يتعلق بمصير النمط التقليدي الذي منح مواقع مؤثرة داخل الشركات العامة أو المختلطة لمسؤولين سابقين من جهات سيادية، من دون منافسة معلنة أو تقييم يمكن تتبعه علنا.

 

حوكمة على الورق بعد سنوات من الغلق الإداري

 

يتضمن القرار تقسيم ممثلي الدولة إلى فئتين، الأولى لغير التنفيذيين والثانية للتنفيذيين، مع اشتراط مؤهل جامعي مناسب وأولوية للدراسات العليا المرتبطة بالقطاع الاستثماري أو بإدارة الأعمال، إلى جانب معرفة قانونية ومالية وقدرة على قراءة القوائم المالية وفهم مبادئ الحوكمة وعدم تعارض المصالح. هذه الشروط لا تبدو تفصيلا فنيا، بل تكشف أن المشكلة كانت أصلا فيمن جلسوا على هذه المقاعد من دون هذه المتطلبات أو من دون التزام ظاهر بها.

 

كما يشترط القرار بالنسبة للمناصب التنفيذية خبرة تشغيلية واستراتيجية أعمق، وسجلا مهنيا قويا، وقدرة على وضع رؤية تطويرية، وإلماما بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. هذا التشدد في الصياغة يعني أن الحكومة نفسها باتت تقر بأن إدارة الشركات لم تعد تحتمل نمط المسؤول الإداري العام الذي ينتقل بين المواقع بقرار فوقي، من دون خبرة قطاعية دقيقة أو أدوات إدارة حديثة.

 

ثم ينص القرار على فتح باب الترشح في أغلب الحالات عبر إعلان عام، وعلى تحديد مدة شغل المنصب بما لا يزيد على 3 سنوات قابلة للتجديد، مع تطبيق تقييم سنوي قائم على مؤشرات أداء واضحة. هذه البنود تضرب مباشرة منطق البقاء الطويل داخل المقاعد الإدارية المحصنة، وتنقل الملف نظريا من الولاء الشخصي إلى القابلية للقياس والمراجعة.

 

وفي هذا السياق قال الدكتور هاشم السيد، مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، إن الهدف الأساسي هو حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وإن القيد في البورصة يخدم هذا الهدف ولا يقتصر على الطرح وحده. أهمية هذا التصريح أنه يربط القرار الجديد باعتراف رسمي أوسع بأن أزمة هذه الشركات ليست في الملكية فقط، بل في نمط إدارتها وآليات مساءلتها.

 

الاستقلال المعلن يصطدم بنفوذ الدولة داخل الشركات

 

ومن أبرز ما جاء في القرار اشتراط أن تكون الأغلبية داخل مجالس الإدارات من خارج الجهة الحكومية المالكة، بما يدعم استقلال القرار الإداري ويقلص التداخل بين الملكية والإدارة. هذا البند بالذات هو الأكثر حساسية، لأنه يمس قلب النموذج الذي سمح للجهة المالكة بأن تبقى خصما وحكما ومديرا في الوقت نفسه، وهو ما أضعف المساءلة الفعلية داخل عدد كبير من الكيانات.

 

كما يشدد القرار على النزاهة ومنع تعارض المصالح وعدم الجمع بين عضويات متعددة، مع مراعاة تنوع الخبرات داخل مجالس الإدارات. هذه الصياغة تبدو أقرب إلى محاولة إصلاح متأخرة لواقع ترسخ فيه تدوير الأسماء نفسها بين أكثر من مجلس وأكثر من شركة، بما جعل الرقابة ضعيفة والتمثيل المهني الحقيقي محدودا، خصوصا حين ترتبط العضوية بالموقع السابق أو الثقل المؤسسي لا بالكفاءة الفنية.

 

وبسبب ذلك يبرز سؤال الصدام مع القيادات التقليدية التي شغلت مواقع مؤثرة في شركات الدولة بعد خروجها من مؤسسات سيادية مثل القوات المسلحة أو الشرطة. القرار لا يذكر هذه الفئة بالاسم، لكنه يضع معايير منافسة مفتوحة وتقييما دوريا وحدودا زمنية واستقلالا لمجالس الإدارات، وهي عناصر تضيق فعليا مساحة التعيين المغلق الذي حمى هذا النمط لسنوات.

 

وفي هذا الإطار حذرت الدكتورة منى الجرف، أستاذة الاقتصاد ورئيسة جهاز حماية المنافسة سابقا، من اتساع هيمنة الدولة وشركاتها على الائتمان والاستثمار بما يضغط على القطاع الخاص ويقيد المنافسة. استدعاء هذا الرأي هنا مهم، لأن إصلاح مجالس الإدارات لا ينفصل عن أزمة أكبر تتعلق بسيطرة الدولة على المجال الاقتصادي ثم مطالبتها لاحقا بإقناع السوق بأنها حكم محايد.

 

قرار حكومي تحت ضغط الإصلاح لا تحت ضغط القناعة

 

ويأتي القرار في لحظة يتزايد فيها الربط بين إصلاح الشركات المملوكة للدولة وبين التزامات الحكومة أمام جهات التمويل الدولية. فقد شددت جولي كوزاك، المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، في أكتوبر 2025 وسبتمبر 2025 على ضرورة أن تمضي مصر في إصلاحات أعمق تقلص هيمنة الدولة وتوسع دور القطاع الخاص إذا أرادت إطلاق إمكانات النمو الحقيقية والمضي في مراجعات برنامج الصندوق. هذا السياق يجعل القرار أقرب إلى استجابة لضغط متراكم منه إلى تحول ذاتي مكتمل.

 

كما أن تعاون الحكومة مع البنك الدولي في 2024 و2026 ركز صراحة على دعم حوكمة الشركات المملوكة للدولة، ورفع كفاءة الكوادر الفنية، والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية في إدارة الأصول العامة. هذه الخلفية تؤكد أن القرار الجديد ليس بداية الطريق، بل حلقة ضمن مسار إصلاح تفرضه أزمة مزمنة في إدارة شركات الدولة، وتعيد المؤسسات الدولية تذكير القاهرة بها كلما تعثر التنفيذ الفعلي.

 

ثم إن الحكومة نفسها ربطت هذا المسار مؤخرا بوحدة الشركات المملوكة للدولة وبخطط قيد وطرح شركات عامة في البورصة. وعندما قال هاشم السيد في أبريل 2026 إن قيد 20 شركة حكومية في البورصة يستهدف الحوكمة وتنظيم دور الدولة، فإنه كان يقر ضمنيا بأن الإدارة السابقة لم تكن قابلة للعرض على السوق ولا للانكشاف الكامل أمام المستثمرين من دون إعادة ترتيب قواعدها.

 

لذلك لا يتعلق الاختبار الحقيقي بإعلان المعايير، بل بمن سيطبقها ومن سيُستبعد بسببها ومن سيخضع فعلا للتقييم ومن ستُنشر نتائجه للرأي العام. فإذا بقيت الإعلانات العامة شكلية، وبقيت المؤشرات سرية، واستمرت مراكز النفوذ في إنتاج الأسماء نفسها، فسيتحول القرار إلى غطاء جديد للنمط القديم. أما إذا التزمت الحكومة بنشر الترشيحات والمعايير ونتائج التقييم وحدود التجديد وأسباب الاختيار، فسيفتح القرار لأول مرة ثغرة حقيقية في جدار الإدارة المغلقة داخل شركات الدولة.

 

وهنا تبدو الخلاصة حادة وواضحة. الحكومة لم تبتكر نموذجا جديدا بقدر ما اضطرت إلى الاعتراف بأن النموذج القديم استنفد نفسه وأصبح عبئا على الكفاءة وعلى المنافسة وعلى الثقة. والقرار الذي رُوّج له باعتباره تنظيما إداريا، يحمل في جوهره إدانة عملية لسنوات من التعيين غير الشفاف وتداخل السلطة بالملكية وغياب المحاسبة. لذلك فإن قيمة الخطوة لن تقاس بما كتب في قرار مجلس الوزراء يوم 22 أبريل 2026، بل بما إذا كانت الحكومة ستقبل فعلا كسر شبكات التعيين المحمية داخل شركاتها، أم ستكتفي مرة أخرى بإعلان إصلاح لا يصل إلى المقاعد التي صنعت الأزمة.