تحولت المنطقة الصناعية في دمياط الجديدة من مساحة إنتاج يفترض أن تخضع للرقابة اليومية إلى ساحة مكشوفة لفشل إداري ممتد، بعد بقاء شحنة دواجن فاسدة تقدر بنحو 8500 طن داخل ثلاجات أحد المصانع منذ يونيو 2024، رغم صدور قرار من النيابة العامة بإعدامها على نفقة صاحب المنشأة. ومع مرور الشهور، لم تنفذ الجهات التنفيذية ما يلزم لفرض القرار أو احتواء الخطر، فانتقلت الأزمة من ملف قضائي مجمد إلى تهديد بيئي وصحي يطوق المصانع والعمال ومحيط المدينة الصناعية. وتكشف الشكاوى المتداولة من المستثمرين والعاملين أن الروائح الكريهة لم تعد حادثا عارضا، بل نتيجة مباشرة لغياب التنفيذ، بينما تمدد الذباب والحشرات في نطاق واسع، وأصبحت بيئة العمل نفسها موضع تهديد يومي في منطقة يفترض أن الدولة تراقبها لحظة بلحظة.

 

تكشف هذه الواقعة، بتفاصيلها الخشنة والواضحة، أن الحكومة لم تفشل فقط في منع دخول شحنة غير صالحة أو في الإسراع بإعدامها، بل فشلت أيضا في إدارة ما بعد التحفظ القضائي، وهي الحلقة التي حولت القرار القانوني إلى عبء على الناس بدل أن يكون وسيلة حماية لهم. وقد تداولت صفحات محلية ومتابعات ميدانية أن عمالا امتنعوا عن الحضور في أوقات متفرقة بسبب الروائح، بينما تضررت منشآت مجاورة من استمرار الوضع كما هو عليه. وفي قلب هذه الصورة، لا تبدو المشكلة مجرد فساد غذائي داخل ثلاجة مغلقة، بل نموذجًا صارخًا لعجز الأجهزة التنفيذية عن التحرك حين يصبح الخطر ملموسا ومكلفا ومفضوحا أمام الجميع.

 

من قرار تحفظ إلى بؤرة تعفن داخل منطقة إنتاج

 

بدأت الأزمة حين جرى التحفظ على شحنة الدواجن داخل ثلاجات مصنع في المنطقة الصناعية الأولى بدمياط الجديدة، ثم صدر قرار قضائي بإعدامها على نفقة صاحب المصنع. لكن الأشهر التالية مرت من دون تنفيذ حاسم، فاستقرت الكميات الفاسدة داخل الموقع حتى دخلت مرحلة تحلل متقدمة، وبدأت آثارها البيئية تظهر خارج حدود الثلاجة نفسها.

 

ثم اتسع الضرر لأن التأخير لم يكن إجرائيا فقط، بل أنتج وضعا ميدانيا جديدا داخل المنطقة الصناعية. فقد تحدثت الشكاوى عن انتشار روائح نفاذة وديدان وذباب في مساحة واسعة، وهو ما انعكس مباشرة على المصانع المجاورة وعلى انتظام العمل اليومي، بعدما بات وجود العمال داخل بعض المواقع مرهقا ومرفوضا في فترات متعددة.

 

وبعد تصاعد الشكاوى، تحرك الدكتور أسامة حفيلة، نائب رئيس اتحاد مستثمري مصر ورئيس جمعية المستثمرين بدمياط الجديدة، لمعاينة الموقع وتحديد مصدر الأزمة. وقد ربط حفيلة بين الروائح المنتشرة وبين المصنع الذي تحفظت داخله الشحنة منذ يونيو 2024، مؤكدا أن بقاء الكميات على هذا النحو ينذر بكارثة بيئية تطال المنطقة الصناعية ومدينة دمياط الجديدة نفسها.

 

ولذلك لم تعد المشكلة شأنا خاصا بصاحب منشأة متقاعس عن تنفيذ قرار النيابة، لأن الدولة تركت التقاعس يتحول إلى وضع قائم يضر مستثمرين آخرين وعمالا لا علاقة لهم بالواقعة الأصلية. ومع هذا التوسع في الضرر، صار التأخر الإداري نفسه جزءا من الأزمة، لا مجرد خلفية لها، وصار السؤال عن المسؤولية التنفيذية أكثر إلحاحا من السؤال عن أصل الشحنة.

 

الروائح والحشرات تكشف تكلفة الإهمال الرسمي على العمال والمصانع

 

أكد نبيل بدر، عضو حزب الوفد في دمياط، أن استمرار تراكم الدواجن الفاسدة داخل إحدى الثلاجات يمثل تهديدا بيئيا وصحيا مباشرا، وأن بقاء الوضع من دون تدخل يضاعف آثار التحلل وانبعاث الروائح وانتشار الحشرات. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها تنقل الأزمة من مستوى الشكوى العامة إلى توصيف صريح لحجم الخطر القائم فعلا.

 

ثم شرح بدر أن الاستجابة المتأخرة لم تعد كافية وحدها، لأن المرحلة الحالية تحتاج إجراءات احترازية فورية تحد من تأثير الروائح وتمنع امتدادها، مع إعادة تأمين الموقع لمنع أي تسرب إضافي. ويعني ذلك أن الجهات المحلية والتنفيذية تركت الموقف يتدهور حتى أصبح التدخل المطلوب أعقد وأوسع وأعلى كلفة مما كان عليه في البداية.

 

وأضاف بدر أن نقل هذه الكميات لا يجوز أن يجري بشكل مرتجل، بل يجب أن يعتمد على وسائل مجهزة ومغلقة بالكامل، مع تحديد مسارات بعيدة عن الكتلة السكنية لتفادي نقل الأزمة من قلب المنطقة الصناعية إلى المجال العام. وهذا التوصيف يكشف أن التأخير الحكومي لم يخلق فقط أزمة داخلية، بل خلق أيضا تعقيدا لوجستيا وأمنيا في أي خطوة لاحقة.

 

وبناء على ذلك، شدد بدر على أن الحل النهائي لا يكتمل إلا بالتخلص الآمن داخل مواقع معتمدة للإعدام البيئي وتحت إشراف كامل من الجهات المختصة. غير أن هذا الكلام، في توقيته الحالي، يحمل إدانة واضحة لأجهزة كان يفترض أن تكون قد أنجزت هذه الخطوات منذ شهور، لا بعد أن أصبحت المنطقة الصناعية كلها أسيرة رائحة التعفن.

 

إدارة النافق الغائبة تفتح الباب لخطر صحي أوسع

 

قال المهندس منير بشرى، خبير إدارة وتدوير المخلفات البلدية، إن التعامل غير المنظم مع نفوق الحيوانات والدواجن يمثل تحديا بيئيا وصحيا خطيرا، لأن هذه المخلفات تحتاج منظومة واضحة للجمع والنقل والإعدام. وتظهر أهمية هذا التوصيف في أنه يربط ما حدث في دمياط الجديدة بخلل أوسع في إدارة المخلفات العضوية الخطرة، لا بحادث منفصل فقط.

 

ثم أوضح بشرى أن أول أوجه الخلل يتمثل في غياب آلية واضحة لجمع الحيوانات النافقة من الشوارع أو من محال بيع الدواجن، داعيا إلى تخصيص خط ساخن مجاني للإبلاغ وربط البلاغات بوسائل نقل مخصصة للتخلص الآمن. ويكتسب هذا الطرح وزنه لأن الهيئة العامة للخدمات البيطرية تعلن بالفعل تلقي البلاغات عبر الخط الساخن 19561، ما يعني أن الفجوة الأساسية تبدو في سرعة التفعيل والتنفيذ الميداني.

 

كما أشار بشرى إلى أن الطرق العلمية المعروفة للتعامل مع هذه المخلفات تشمل الدفن الصحي داخل خلايا مخصصة أو الحرق الفوري في محارق معتمدة، مع التخلص السريع من النافق قبل أن يتحول إلى مصدر روائح وحشرات وتلوث. وهنا تظهر خطورة ما حدث في دمياط الجديدة، لأن الكميات بقيت مجمدة قانونيا ومتحللة عمليا في الوقت نفسه، وهو أسوأ سيناريو إداري ممكن.

 

كذلك طالب بشرى بإلزام محال بيع الدواجن بنظام يشبه ما تتبعه المستشفيات في إدارة المخلفات الخطرة، مع الاستعانة بمتخصصين لتحديد مواقع التخلص الآمن واستخدام الجير الحي لتقليل الروائح والحشرات. وقد حذر أيضا من أن النفوق الكبير قد يشير إلى وضع وبائي في بعض المزارع، وهو تحذير يفرض على الدولة التحرك السريع لا الاكتفاء بالإنكار أو التباطؤ.

 

وفي المحصلة، لا تكشف واقعة دمياط الجديدة عن خطأ منفرد داخل مصنع معزول، بل تكشف بنية إدارية تسمح بأن تبقى 8500 طن من الدواجن الفاسدة شهورا داخل منطقة إنتاج من دون تنفيذ ناجز لقرار قضائي واضح. وقد دفعت المصانع والعمال ثمن هذا الشلل بروائح خانقة وحشرات ومخاوف صحية وخسائر تشغيلية، بينما ظلت الحكومة تتعامل ببطء مع خطر كان مرئيا ومعلوما ومحددا بالعنوان والكمية والقرار. ولذلك فإن هذه الأزمة لا تحتاج بيانات تهدئة، بل تحتاج مساءلة مباشرة لكل جهة تركت التعفن يتمدد حتى صار دليلا ماديا على فشل الدولة في أبسط واجباتها التنفيذية.