أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فتح مضيق هرمز بالكامل أمام السفن التجارية خلال ما تبقى من الهدنة السارية بين لبنان وإسرائيل، محددًا أن العبور سيتم عبر مسار منسق سبق أن أعلنته منظمة الموانئ الإيرانية. وجاء الإعلان بينما سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تقديم الخطوة باعتبارها خبرًا جيدًا، رغم أنه أعلن في الوقت نفسه استمرار الحصار البحري الأمريكي على إيران حتى إنجاز اتفاق كامل مع طهران. هذا التزامن لم يفتح باب الطمأنينة بقدر ما فضح تناقضًا سياسيًا واضحًا داخل الموقف الأمريكي نفسه، إذ تتحدث واشنطن عن إعادة المرور البحري، لكنها تبقي أدوات الضغط العسكري قائمة. كما كشف التطور أن الهدنة اللبنانية التي بدأت مساء 16 أبريل لمدة 10 أيام لم تتحول بعد إلى استقرار فعلي، بل صارت مجرد مظلة مؤقتة لإدارة ممر نفطي حيوي يخضع للتجاذب السياسي والعسكري في آن واحد.
جاء الإعلان الإيراني بعد أسابيع من اضطراب حاد أصاب الملاحة والطاقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وهي حرب عطلت جزءًا واسعًا من تدفقات النفط والغاز ودفعت الأسواق إلى أخطر صدمة إمداد حديثة وفق تقديرات رويترز وبيانات شركات التتبع. كما أوضحت البيانات أن حركة السفن عبر المضيق هبطت بنسبة 97% منذ بداية الحرب، وأن نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية يمر عادة عبر هذا الممر البحري الضيق. لذلك لم يكن فتح المضيق خبرًا تقنيًا يتعلق بالملاحة فقط، بل كان تطورًا سياسيًا واقتصاديًا أعاد ترتيب المشهد من بيروت إلى واشنطن مرورًا بأسواق التأمين والشحن والطاقة. وفي هذا السياق، بدا الإعلان الإيراني محاولة لالتقاط مكسب تفاوضي من دون تقديم تنازل مجاني، فيما بدا الخطاب الأمريكي أقرب إلى توظيف الهدنة لتثبيت الضغط لا لإنهائه.
الهدنة اللبنانية تفتح المضيق ولا تنهي النزاع
ارتبط فتح مضيق هرمز مباشرة بالهدنة التي دخلت حيز التنفيذ بين لبنان وإسرائيل مساء 16 أبريل عند الساعة 2100 بتوقيت غرينتش لمدة أولية تبلغ 10 أيام برعاية أمريكية. ونص الاتفاق على وقف الأعمال القتالية، مع إبقاء قوات إسرائيلية داخل جنوب لبنان ومنح إسرائيل حق اتخاذ ما تسميه إجراءات دفاعية في أي وقت.
ثم أظهر نص الاتفاق أن الهدنة لم تعالج القضايا الأساسية التي فجرت المواجهة أصلًا، إذ لم تُلزم إسرائيل بالانسحاب من الجنوب اللبناني، ولم تمنح لبنان الصيغة نفسها المتعلقة بحق الدفاع، كما أنها لم تحسم ملف سلاح حزب الله ولا مصير مئات الآلاف من النازحين العائدين إلى مناطقهم المدمرة.
لذلك قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن إعلان إيران إعادة فتح المضيق خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الاستعادة الكاملة لحقوق الملاحة الدولية وحرياتها في المضيق. ويكشف هذا الموقف أن الأمم المتحدة لا تعتبر ما جرى تسوية نهائية، بل إجراءً مرتبطًا بهدنة هشة وقابلة للانتكاس.
واشنطن تشكر على الفتح وتبقي الحصار قائمًا
بعد الإعلان الإيراني مباشرة، كتب ترامب أن مضيق هرمز مفتوح بالكامل وجاهز للأعمال والمرور الكامل، لكنه أضاف أن الحصار البحري على إيران سيظل قائمًا بالكامل إلى أن تكتمل الصفقة مع طهران بنسبة 100%. ويعني هذا أن واشنطن شجعت المرور التجاري العام، لكنها أبقت المواجهة مع إيران قائمة بوسائل أخرى.
وبعد ساعات قليلة، سجلت بيانات التتبع أول حركة كبيرة لناقلات النفط عبر المضيق منذ بداية الحرب قبل 7 أسابيع، إذ عبرت قافلة من الناقلات يوم السبت 18 أبريل، بينما أظهرت بيانات أخرى أن محاولة سابقة مساء 17 أبريل شهدت تقدم نحو 20 سفينة قبل أن تتوقف بعض السفن أو تعود أدراجها.
وفي هذا السياق، قال أرسينيو دومينغيز الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية إن التحقق ما زال جاريًا من مدى توافق الإعلان الإيراني مع حرية الملاحة الآمنة لكل السفن التجارية. ثم قال كنوت أريلد هاريده الرئيس التنفيذي لجمعية ملاك السفن النرويجية إن القضايا الأساسية ما زالت عالقة، خصوصًا ما يتعلق بالألغام والشروط الإيرانية وآلية التنفيذ.
الفتح التجاري لا يمحو خسائر الطاقة ولا يطمئن السوق
أوضح تقرير رويترز أن العالم فقد أكثر من 50 مليار دولار من النفط غير المنتج منذ بداية الحرب قبل نحو 50 يومًا، كما خرج أكثر من 500 million برميل من الخام والمكثفات من السوق العالمية. وأكد التقرير أن هذه الخسارة تمثل أكبر اضطراب إمداد طاقة في التاريخ الحديث وفق بيانات كبلر وحسابات رويترز.
وبعد ذلك، أوضح يوهانس راوبال كبير محللي الخام في كبلر أن تعافي الإنتاج والتدفقات لن يكون سريعًا حتى مع فتح المضيق، لأن بعض الحقول الثقيلة في الكويت والعراق قد تحتاج من 4 إلى 5 أشهر للعودة إلى مستويات التشغيل الطبيعية. كما قال إيان موات من وود ماكنزي إن حجم النفط المفقود يساوي 5 أيام من استهلاك الاقتصاد العالمي كله.
وفي المسار نفسه، قال مات رايت كبير محللي الشحن في كبلر إن الغموض لا يزال قائمًا بشأن المسارات البحرية المسموح بها للخروج من الخليج، بينما أوضح وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن شركات التأمين ومالكي الناقلات لن يستجيبوا سريعًا ما دامت الأعمال القتالية لم تتوقف بصورة موثوقة وممتدة. ويثبت ذلك أن فتح المضيق سياسيًا لا يعني عودة السوق عمليًا إلى طبيعته.
لهذا بدا المشهد يوم 18 أبريل كأنه إعادة تشغيل جزئية لممر نفطي عالمي تحت وصاية التهدئة لا تحت ضمان السلام. فقد فتحت إيران المضيق، لكن واشنطن أبقت الحصار على إيران، وبقيت السفن تختبر المسار بحذر، وبقيت شركات الشحن والتأمين تنتظر ما هو أكثر من تدوينات سياسية وتصريحات احتفالية.
كما أثبتت التطورات أن الهدنة الحالية لم توقف أسباب الانفجار، بل علقت بعضها مؤقتًا ودفعت بعضها الآخر إلى البحر وأسواق النفط. ولذلك فإن أي احتفاء رسمي بعودة العبور يبدو سابقًا لأوانه، لأن الوقائع الميدانية تقول إن المضيق فُتح تحت الإكراه السياسي، لا تحت استقرار إقليمي حقيقي.

