كشفت وكالة ستاندرد آند بورز في تقريرها الصادر يمنذ ساعات أن مصر فقدت نحو 10 مليارات دولار من تدفقات المحافظ الأجنبية خلال شهر مارس وحده، بعد اتساع التوتر العسكري في المنطقة، فيما أبقت الوكالة التصنيف السيادي عند درجة B مع نظرة مستقبلية مستقرة. هذا الرقم لم يظهر كحادث عابر، بل ظهر كدليل مباشر على أن الحكومة ما زالت تربط استقرار سوق الدين المحلي بتدفقات قصيرة الأجل سريعة الدخول وسريعة الخروج، رغم أن التجربة المصرية نفسها أثبتت منذ فبراير 2022 أن هذا النوع من الأموال ينسحب فور ارتفاع المخاطر ويترك السوق تحت ضغط العملة والاحتياطي والدين. كما أظهر التقرير أن المستثمرين غير المقيمين ما زالوا حاضرين بقوة في السندات الحكومية المقومة بالعملة المحلية، وهي النقطة التي جعلت السوق المصرية أكثر تعرضا للصدمات الخارجية كلما ارتفع التوتر الجيوسياسي أو تبدلت شهية المستثمرين العالميين للمخاطر.
هذا التطور لم يأت منفصلا عن سياق أوسع من الاختلالات التي تضغط على الاقتصاد المصري منذ سنوات، لأن الوكالة نفسها رفعت توقعاتها لعجز الحساب الجاري في العام المالي 2025/2026 إلى 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، محذرة من أن استمرار الأزمة الإقليمية قد يضغط على تحويلات العاملين بالخارج والسياحة وحركة الملاحة في قناة السويس. كذلك أوضحت الوكالة أن نحو 70% من تحويلات المصريين تأتي من دول الخليج، بما يعني أن أي اضطراب إقليمي ممتد يهدد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي. لذلك بدا مشهد خروج الأموال الساخنة في مارس كأنه اختبار جديد لسياسات اقتصادية قديمة، اعتمدت على الدين قصير الأجل والعائد المرتفع أكثر مما اعتمدت على إنتاج وصادرات واستثمار مباشر قادر على البقاء وقت الأزمات.
الانسحاب السريع يكشف أصل الأزمة لا عرضها
فقد أوضحت ستاندرد آند بورز أن حيازات المستثمرين غير المقيمين من أدوات الدين الحكومية المصرية تراجعت إلى 27.1 مليار دولار بنهاية مارس 2026، بعد أن كانت قد بلغت ذروتها عند 38.1 مليار دولار في يناير، وهو هبوط يوضح أن ما دخل خلال أسابيع يمكن أن يخرج بالسرعة نفسها عندما ترتفع المخاطر. هذا التراجع لم يضرب رقما هامشيا، بل أصاب أحد الأعمدة التي استخدمتها الحكومة في دعم التمويل قصير الأجل.
ثم إن الوكالة أعادت التذكير بما جرى مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حين خرج نحو 20 مليار دولار من استثمارات الأجانب، مرجعة ذلك إلى الانكشاف الكبير على المستثمرين غير المقيمين في السندات الحكومية بالعملة المحلية. هذه المقارنة لم ترد في التقرير بوصفها خلفية تاريخية فقط، بل وردت بوصفها سابقة تؤكد أن الخلل البنيوي نفسه لم يُعالج جذريا حتى الآن.
وبدوره انتقد الخبير الاقتصادي هاني توفيق هذا النمط من الإدارة الاقتصادية، إذ دعا في تصريحات منشورة في 6 أغسطس 2025 إلى التخلي عن فكرة خفض سعر الدولار عبر الأموال الساخنة، وطالب بالاتجاه إلى الاستثمار الأجنبي المباشر لأنه يخلق تشغيلًا وصادرات وإيرادات ويخفض المديونية. هذا الموقف يكتسب وزنا أكبر الآن لأن أرقام مارس 2026 جاءت لتؤكد أن السياسة التي حذر منها الرجل ما زالت تفرض كلفتها على السوق.
الحرب الإقليمية سرعت النزيف والحكومة دفعت الثمن من الهشاشة المتراكمة
وبحسب تقرير الوكالة، فإن السبب المباشر لخروج هذه التدفقات خلال مارس كان ارتفاع المخاطر العالمية بسبب الصراع الدائر في المنطقة، بما انعكس سلبا على الأسواق المالية المصرية. غير أن العامل الخارجي هنا لم يصنع الأزمة من الصفر، بل سرّع انكشاف أزمة موجودة أصلا، لأن السوق التي تعتمد على عائد مرتفع لجذب الأموال قصيرة الأجل تبقى أكثر قابلية للاهتزاز عند أول صدمة سياسية أو عسكرية كبيرة.
كما أظهرت تغطيات اقتصادية مصرية لاحقة أن الضغوط لم تتوقف عند التخارج من أدوات الدين، بل امتدت إلى توقعات سعر الصرف والعجز الخارجي، إذ أشارت تقارير منشورة يومي 11 و12 أبريل 2026 إلى أن الوكالة رفعت توقعات العجز الجاري، وتوقعت أيضا ارتفاع سعر الدولار في العامين الحالي والمقبل، في ظل استمرار أثر التوتر الإقليمي على مصادر العملة الصعبة. هذا الترابط يوضح أن الضغوط لم تعد محصورة في سوق المال وحده.
وفي هذا السياق قال الدكتور مدحت نافع في تصريحات منشورة يوم 10 مارس 2026 إن الأموال الساخنة تتخارج بوتيرة متسارعة، وإن هذا الخروج يظهر بوضوح في شاشات البورصة عبر الخروج من السندات وأذون الخزانة، كما حذر من أن الصدمات التجارية الدولية ستؤثر سلبا في مصادر الدخل الأجنبي وقد تدفع الدولة إلى السحب من الاحتياطي في حدود معينة. شهادة نافع هنا توثق أثر التوتر الخارجي على سوق هش من الداخل.
التصنيف المستقر لا يلغي الخطر بل يوثق حدود القدرة على الاحتمال
لذلك لم يكن إبقاء ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لمصر عند B مع نظرة مستقرة بمثابة شهادة اطمئنان كاملة، لأن التقرير نفسه ربط هذا التثبيت بضغوط محتملة على الاقتصاد المصري إذا طال أمد الأزمة الإقليمية. كذلك أوضح التقرير أن استمرار التوتر قد يضعف تحويلات العاملين بالخارج والسياحة، وقد يعرقل تعافي إيرادات قناة السويس إذا تعرض مسار باب المندب لمزيد من الاضطراب، وهي كلها قنوات رئيسية للنقد الأجنبي.
كما لفتت الوكالة إلى أن القطاع المصرفي يملك صافي أصول أجنبية مرتفعا اقترب من 30 مليار دولار في يناير 2026، وأن هذا الغطاء قد يساعد البنوك على امتصاص جزء من التدفقات الخارجة قبل أن يظهر الأثر بوضوح على الاحتياطيات الدولية. غير أن هذه الإشارة لا تنفي أصل المشكلة، بل تؤكد أن الدولة تعتمد مرة أخرى على هوامش الدفاع النقدي لحماية وضع قابل للتقلب، بدلا من معالجة سبب التقلب نفسه.
وفي المقابل قال هاني جنينة في تصريحات منشورة يوم 12 أبريل 2026 إن البنك المركزي امتص الصدمة وأصبح لديه خبرة أكبر في التعامل مع الأموال الساخنة، وإن الهياكل الأساسية للاقتصاد أكثر مرونة في مواجهة الأزمات. لكن حتى هذا التقييم الأكثر هدوءا لا ينفي الواقعة الأساسية التي سجلها مارس، وهي أن 10 مليارات دولار خرجت في شهر واحد، وأن السوق ما زالت تدفع ثمن التعويل على تدفقات سريعة الانسحاب عند أول اختبار سياسي وأمني حاد.
وهكذا يثبت تطور مارس 2026 أن الحكومة لم تنجح في كسر الاعتماد على نموذج تمويل قصير النفس يقوم على اجتذاب الأجانب إلى أدوات الدين المحلية ثم مواجهة نتائج خروجهم كلما تغيرت الظروف الدولية. هذا المسار لا يقدم استقرارا حقيقيا، بل يؤجل الانكشاف من أزمة إلى أخرى. وعندما تسجل وكالة دولية خروج 10 مليارات دولار في شهر واحد، وتربط ذلك بتراجع الاستثمارات في الدين المحلي وارتفاع عجز الحساب الجاري ومخاطر التحويلات والسياحة، فإن الوقائع نفسها تقول إن الأزمة ليست في الحرب وحدها، بل في سياسة اقتصادية أبقت البلاد معلقة عند باب الأموال الساخنة.

