حذرت مطالبات مزارعي قصب السكر في الصعيد من خفض وزارة الزراعة مقررات الأسمدة للفدان من 13 شيكارة إلى 5 شكاير، بعدما صار القرار يهدد الإنتاج المحلي ويرفع تكلفة محصول تعتمد عليه آلاف الأسر.

 

وتكشف الأزمة وجها واضحا من سياسات الحكومة التي تعلن دعم صناعة السكر وتقليل الاستيراد، ثم تضغط على المزارع في السماد والسعر والكلفة، بينما تترك الأسر الريفية أمام السوق الحرة ومخاطر تراجع الدخل.

 

قرار يخفض السماد ويضع الفلاح أمام خسارة مباشرة

 

بدأ الجدل بعد تداول قرار وزارة الزراعة بشأن تقليص مقررات الأسمدة الكيماوي لمحصول قصب السكر، وهو محصول طويل الدورة يحتاج تسميدا منتظما حتى يحافظ الفدان على إنتاجيته وجودته خلال الموسم.

 

وبحسب طلب إحاطة برلماني، خفض القرار حصة الفدان من نحو 13 شيكارة إلى 5 شكاير فقط، رغم أن القصب يمثل محصولا استراتيجيا لصناعة السكر ومصدرا رئيسيا لدخل مزارعي الوجه القبلي.

 

لذلك وجد المزارعون أنفسهم أمام اختيارين كلاهما مكلف، إما زراعة القصب بمعدلات تسميد أقل من حاجته الفعلية، أو شراء النقص من السوق الحرة بأسعار أعلى من السعر المدعم.

 

كما يضاعف القرار أعباء الإنتاج على الفلاحين الذين يواجهون بالفعل ارتفاعا في تكاليف الري والعمالة والنقل ومستلزمات الزراعة، لأن نقص السماد لا يظهر في الورق الحكومي بل يظهر في وزن المحصول وجودته.

 

في هذا السياق، قال حسين عبد الرحمن أبو صدام نقيب عام الفلاحين إن خفض حصة أسمدة قصب السكر إلى 5 شكاير يضيف أعباء مالية على المزارعين ويرفع الطلب على السوق الحرة.

 

ويمنح موقف أبو صدام بعدا نقابيا واضحا للأزمة، لأن التحذير لا يقف عند نقص الكمية فقط، بل يمتد إلى احتمال اشتعال أسعار الأسمدة خارج الجمعيات الزراعية بسبب زيادة الطلب الاضطراري.

 

غير أن الوزارة تعاملت مع الملف باعتباره إجراء فنيا ضمن ترشيد استخدام الأسمدة النيتروجينية، بينما تعامل المزارعون معه باعتباره خصما مباشرا من دخلهم قبل أن يبدأ موسم الحساب الحقيقي للمحصول.

 

التبرير الحكومي يصطدم باحتياجات محصول استراتيجي

 

في المقابل، قالت وزارة الزراعة إن منظومة الأسمدة المدعمة مستمرة، وإن غرف العمليات تتابع التوزيع بجميع المحافظات تنفيذا لتوجيهات وزير الزراعة علاء فاروق بشأن ضمان وصول الدعم لمستحقيه.

 

ثم أعلنت الوزارة صرف ما يقرب من مليون شيكارة أسمدة للمحاصيل الصيفية، وذكرت أن المصانع الموردة تعمل بانتظام وأن أسعار الأسمدة ثابتة وفق آخر تحديث رسمي للمقررات.

 

لكن هذا البيان لم يرد على جوهر غضب مزارعي القصب، لأن الأزمة لا تتعلق بإلغاء منظومة الأسمدة لكل المحاصيل، بل بتخفيض حصة محصول بعينه من 13 شيكارة إلى 5 شكاير.

 

كما تحدثت الوزارة عن تحليل التربة وتراكم اليوريا والنترات وتوجيه التسميد بشكل علمي، إلا أنها لم تعرض آلية انتقال عادلة تضمن للمزارع عدم خسارة إنتاجيته خلال تطبيق الخريطة الجديدة.

 

وبالتوازي، أكد الدكتور محمد شطا رئيس الإدارة المركزية للمديريات أن الصرف يتم عبر كارت الفلاح الذكي للمحاصيل الصيفية ومنها القصب والأرز والذرة الشامية والخضر دون زيادات رسمية.

 

مع ذلك، يبقى ثبات السعر الرسمي بلا قيمة كافية إذا كانت الكمية المدعمة نفسها لا تكفي الاحتياج العملي للفدان، لأن المزارع سيدفع الفرق من السوق الحرة لا من بيان الوزارة.

 

ويفيد رأي الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والخبير الزراعي في دعم هذا المحور، إذ يؤكد في مداخلات زراعية أن إنتاجية قصب السكر ترتبط بالرعاية والري والتغذية المتوازنة للفدان.

 

ومن هنا يصبح الترشيد الحكومي مقبولا فقط عندما يصاحبه بديل واضح من تحليل تربة مجاني وإرشاد فعلي وتوفير عناصر بديلة، لا عندما يتحول إلى قرار مفاجئ يدفع ثمنه المزارع وحده.

 

خطر على السكر المحلي ورسالة عكسية للاكتفاء الذاتي

 

على مستوى صناعة السكر، يهدد خفض مقررات الأسمدة بتقليل جاذبية زراعة القصب في محافظات الصعيد، خصوصا أن المزارع يوازن بين طول دورة المحصول وحجم التكلفة والعائد النهائي بعد التوريد.

 

وقد حذر طلب الإحاطة من أن استمرار السياسة الحالية قد يدفع بعض المزارعين إلى العزوف عن زراعة القصب، بما يهدد استقرار صناعة السكر ويزيد فاتورة الاستيراد خلال المواسم المقبلة.

 

وبينما أعلنت الحكومة سابقا أنها تستهدف عدم الحاجة إلى استيراد السكر بدءا من 2026، ارتفعت واردات مصر من السكر خلال 2024 بنسبة 37.3% لتصل إلى مليار دولار.

 

لذلك تبدو فجوة الخطاب الحكومي واضحة، لأن السلطة تقول إنها تدعم المحاصيل الاستراتيجية وتخصص مليارات للقصب والتصنيع، لكنها تخفض في الوقت نفسه مدخل إنتاج لا يمكن تعويضه بشعار إداري.

 

كذلك توقع تقرير زراعي أمريكي أن إنتاج مصر من قصب السكر في الموسم المقبل يبلغ 12.37 مليون طن، مع التنبيه إلى أن ضعف السعر المضمون يدفع المزارعين لمحاصيل أكثر ربحية.

 

ويخدم رأي الدكتور عبد التواب بركات خبير سياسات الأمن الغذائي هذا المحور، لأنه يربط أزمة الزراعة في مصر بتراكم سياسات تقلل ربح الفلاح وتزيد اعتماد البلاد على الاستيراد.

 

ومن ثم لا تبدو أزمة الأسمدة منفصلة عن تسعير القصب أو عن منافسة استخدامه في العسل الأسود والعصائر، لأن الفلاح يختار المسار الذي يحمي دخله لا المسار الذي يفضله البيان الحكومي.

 

كما أن إصرار الحكومة على عرض رقم مليون شيكارة مصروفة لا يلغي سؤال العدالة في التوزيع، لأن المزارع يهتم بما يصل إلى فدانه لا بما تعلنه الوزارة في إجمالي المحافظات.

 

وبناء على ذلك، يطالب مزارعو القصب بإعادة الحصة إلى مستوى يتوافق مع الاحتياج الفعلي للمحصول، ومراجعة القرار قبل أن يتحول نقص السماد إلى نقص إنتاج ثم إلى ارتفاع جديد في سعر السكر.

 

وتكشف الأزمة في نهايتها أن الحكومة نقلت عبء ترشيد الأسمدة إلى أفقر حلقة في سلسلة السكر، بينما تركت المزارع بين محصول ناقص وسوق حرة مكلفة وخطاب رسمي لا يسدد خسارته.