تتحرك الحكومة المصرية نحو طلب تمويل طارئ جديد من صندوق النقد الدولي في لحظة تكشف اتساع المأزق المالي الذي تعيشه البلاد.
فبدل أن ينحصر أثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في المجال العسكري والإقليمي، امتدت تداعياتها سريعًا إلى سوق الدين والطاقة والنقد الأجنبي في مصر.
ووفق ما أكده مصدران من مجلس الوزراء ووزارة المالية، فإن السلطة تدرس قرضًا جديدًا بقيمة تتراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار، بعدما تراجعت تدفقات العملة الصعبة وارتفعت تكلفة الطاقة وتعرضت سوق الدين إلى ضغوط جديدة.
بذلك يعود المشهد نفسه الذي تكرر خلال السنوات الأخيرة، حيث تواجه الدولة كل صدمة خارجية بمزيد من الاقتراض، بينما يتحمل الاقتصاد المحلي كلفة التكيف مع شروط الصندوق وكلفة الأزمات معًا.
هذه الخطوة لا تأتي منفصلة عن البرنامج القائم مع صندوق النقد الدولي، بل تكشف أن القرض الموقع في 2022 لم ينجح في تحصين الاقتصاد من الهزات المتتالية.
فالحكومة نفسها تدخل الآن مراجعتين جديدتين في يونيو ونوفمبر، أملا في صرف شرائح إضافية، وفي الوقت نفسه تبحث عن تمويل طارئ جديد بسبب حرب إقليمية أخرى.
هذا التسلسل يوضح أن الاعتماد على التمويل الخارجي لم يتراجع، بل تعمق. كما يوضح أن الخطاب الرسمي عن الاستقرار لا يصمد أمام أول اختبار جدي في سوق النقد والطاقة.
لذلك تبدو الأزمة الحالية أكثر من مجرد نقص سيولة عابر، لأنها تعيد طرح السؤال نفسه حول جدوى المسار الذي ربط بقاء الاقتصاد المصري بقروض متلاحقة وشروط أكثر صرامة.
ضغط الحرب يسرع طلب القرض
تدرس الحكومة المصرية طلب قرض طارئ جديد من صندوق النقد الدولي بعدما انعكست الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مباشرة على موارد النقد الأجنبي في البلاد.
وأكد مصدران من مجلس الوزراء ووزارة المالية أن التداعيات شملت خروج أموال من سوق الدين وارتفاع تكلفة الطاقة مع تعطل حركة النقل عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع السلطة إلى فتح مسار تمويلي جديد بدل انتظار استقرار الأوضاع.
كما جاء هذا التوجه بعد إشارات دولية واضحة إلى أن الحرب الإيرانية فرضت ضغوطًا إضافية على عدد من الدول الأعضاء في الصندوق.
وكانت وكالة بلومبرج قد ذكرت في الشهر الماضي أن المؤسسة الدولية تدرس أثر الحرب واحتمال احتياج بعض الدول إلى تمويلات عاجلة، ثم أعلنت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا أن المؤسسة تلقت بالفعل طلبات من دول أعضاء للحصول على تمويلات طارئة.
ثم بدا أن القاهرة قرأت هذه الإشارات باعتبارها نافذة متاحة لطلب تمويل جديد قبل تفاقم الضغوط الداخلية. ولذلك قدرت الحكومة القرض الجاري بحثه بما بين 1.5 و3 مليارات دولار. وهذه القيمة، حتى في حدها الأدنى، تعني أن الدولة تتجه إلى دين إضافي جديد بينما لا يزال البرنامج القائم مفتوحًا ولم يصل بعد إلى مراجعته الأخيرة.
وفي هذا السياق، قال جيمس سوانستون من كابيتال إيكونوميكس إن تشديد السياسة المالية والنقدية مع ضعف الجنيه بعد اتفاق الصندوق من شأنه أن يضغط على النمو الاقتصادي، وهو تقدير يوضح أن أي تمويل جديد لن يأتي بلا كلفة داخلية على النشاط الاقتصادي.
كما توقعت استطلاعات رويترز نموًا أبطأ تحت تأثير هذه السياسات، لا نموًا ناتجًا من تعافٍ هيكلي حقيقي.
وبعد ذلك، تتضح خطورة ربط التمويل الطارئ بتراجع موارد الدولة الخارجية في وقت قصير.
فالصندوق نفسه أشار في مراجعاته السابقة إلى أن التوترات الإقليمية وضربات البحر الأحمر خفضت إيرادات قناة السويس بنحو 50 بالمئة على أساس سنوي في يناير 2024، قبل أن تتوسع الخسائر لاحقًا.
لذلك يبدو طلب القرض الجديد نتيجة مباشرة لاختلال مصادر العملة الأجنبية أكثر من كونه إجراء احترازيًا محدودًا.
استمرار البرنامج القائم لا يمنع دينًا جديدًا
رغم أن مصر لا تزال داخل برنامجها الحالي مع صندوق النقد، فإن الحكومة تستعد في الوقت نفسه لطلب تمويل جديد.
وكان الصندوق قد حدد منتصف يونيو موعدًا للمراجعة السابعة لبرنامج القرض القائم تمهيدًا لصرف شريحة بقيمة 1.65 مليار دولار تشمل 136 مليون دولار لبرنامج المرونة والاستدامة.
كما تقرر أن تجري المراجعة الثامنة والأخيرة في منتصف نوفمبر لصرف شريحة مماثلة إذا التزمت الحكومة بالإصلاحات المطلوبة.
ويعني هذا الترتيب أن السلطة لا تنتظر انتهاء البرنامج في 2026 حتى تعيد تقييم نتائجه، بل تضيف فوقه تمويلًا طارئًا جديدًا بسبب ضغوط الحرب.
كما يعني أن الشرائح المنتظرة من البرنامج الحالي لم تعد كافية وحدها لتغطية الضغوط المتزايدة على ميزان المدفوعات.
وبذلك يتحول القرض الطارئ من استثناء مرتبط بظرف إقليمي إلى حل إضافي داخل المسار نفسه الذي تقول الحكومة إنه طريق الاستقرار.
وفي العام الماضي، كانت نقاشات "السردية الوطنية" قد شهدت انتقادات قوية لبرنامج الصندوق في مصر، مع دعوات إلى مسار أكثر استقلالًا عن المؤسسة الدولية بعد انتهاء البرنامج الحالي في 2026.
لكن التطور الجاري يشير إلى أن الدولة لم تقترب من هذا المسار، بل تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا، لأنها تواجه الصدمة الجديدة بالأداة ذاتها التي استخدمتها في الأزمات السابقة.
كما تعكس الشروط المصاحبة للمراجعات المقبلة استمرار الضغط الدولي على الحكومة لتنفيذ ما تأخر من التزاماتها.
فمصدر من مجلس الوزراء قال إن الصندوق شدد على ضرورة الإسراع في خطة تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية وتعزيز دور القطاع الخاص، بسبب استمرار مشاركة الدولة في مشروعات عديدة دون شراكة كافية من المستثمرين.
وهذا يعني أن التمويل الجديد، إذا تم، سيبقى مقترنًا بالشروط نفسها التي صاحبت البرنامج الأصلي.
وفي الإطار نفسه، قالت مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري إن الاقتصاد المصري واجه مع حرب غزة وما رافقها "أزمة ثالثة"، في ظل احتياجات تمويلية خارجية كبيرة والتزامات سداد ثقيلة.
ويوضح هذا التوصيف أن الهشاشة لم تنشأ من الحرب الأخيرة وحدها، بل من بنية مالية جعلت كل صدمة خارجية سببًا مباشرًا للعودة إلى المقرضين الدوليين.
الصندوق يربط الشرائح بالخصخصة وتخارج الدولة
لهذا السبب، لم يتوقف ضغط الصندوق عند حدود السياسة النقدية أو المالية، بل امتد إلى ملف الملكية العامة والخصخصة.
فقد أوضح مصدر مجلس الوزراء أن الصندوق طالب أيضًا بسرعة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية قبل نهاية مايو وقبل إجراء المراجعتين السابعة والثامنة.
وبعد هذا الضغط مباشرة، أعلنت هيئة الرقابة المالية أمس الأربعاء قيد 6 شركات مملوكة للدولة قيدًا مؤقتًا في البورصة تمهيدًا لطرح حصص منها.
ويكشف هذا التسلسل أن الحكومة لم تتعامل مع الطروحات باعتبارها خيارًا اقتصاديًا مستقلًا، بل باعتبارها التزامًا مرتبطًا بالإفراج عن التمويل.
كما يكشف أن ملف بيع الأصول عاد ليطرح تحت ضغط الحاجة إلى السيولة وسداد الالتزامات الخارجية، لا ضمن خطة معلنة تعطي أولوية للمصلحة العامة أو تشرح بدقة أثر هذه الطروحات على ملكية الدولة وإدارة القطاعات المطروحة.
وفي هذا السياق، أكد الصندوق في مراجعته الأحدث لبرنامج مصر أن التقدم في الإصلاحات الهيكلية كان مختلطًا، وأن هيمنة القطاع العام لا تزال مشكلة رئيسية، مع محدودية التقدم في تقليص دور الشركات المملوكة للدولة والجهات العسكرية.
كما شدد الصندوق في مراجعاته السابقة على أن السماح للقطاع الخاص بأن يكون محرك النمو يظل شرطًا أساسيًا لمعالجة الاختلالات المزمنة.
ومن زاوية أكثر وضوحًا، رأى يزيد صايغ من مركز كارنيغي أن اندفاعة الخصخصة في مصر واجهت تحديات كبيرة منذ إعلان سياسة ملكية الدولة، لأن بنية الاقتصاد نفسه ما زالت تمنح الأفضلية للجهات التابعة للدولة وتؤخر تنفيذ التخارج الفعلي.
كما كتب لاحقًا أن خصخصة الشركات المملوكة للدولة أصبحت مسألة ملحة إذا أرادت القاهرة الوفاء بتعهداتها للصندوق وتقليص أزمة الدين العام.
وفي المحصلة، لا يبدو القرض الطارئ الجاري بحثه مجرد مبلغ إضافي لتجاوز اضطراب إقليمي عابر.
فالقضية الأوضح هي أن الحكومة تواجه كارثة مالية جديدة بالدين نفسه وبالشروط نفسها وبالنتائج المؤجلة نفسها.
ولذلك فإن طلب ما يصل إلى 3 مليارات دولار جديدة من صندوق النقد لا يمثل انفراجًا، بل يثبت أن الحلقة تدور من جديد: حرب خارجية تضرب الموارد، ثم قرض جديد يسد الفجوة، ثم خصخصة أسرع، ثم دين أكبر، بينما يبقى أصل الأزمة قائمًا داخل نموذج اقتصادي يعتمد على الاقتراض أكثر مما يعتمد على إصلاح يخفف التبعية.

