عد شهور قليلة من خطاب رسمي تحدث عن التعافي ورفع الأهداف وفتح شهية السوق على عام قياسي جديد، عادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتضرب قطاع السياحة المصري في نقطة حساسة تتعلق بالحجوزات المستقبلية وثقة منظمي الرحلات وشركات الطيران.
الأرقام التي خرجت من داخل القطاع لم تترك مساحة كبيرة للتهوين، لأن رئيس اتحاد الغرف السياحية حسام الشاعر قال إن الحجوزات المستقبلية في فنادقه تراجعت بأكثر من 20% قياسًا إلى نفس الفترة المعتادة من كل عام، كما قال ريمون نجيب، الرئيس التجاري التنفيذي لشركة أورينت للسياحة، إن الحجوزات الجديدة انخفضت بالنسبة نفسها تقريبًا.
هذه المؤشرات تعني أن السوق الذي استعاد جزءًا من زخمه في 2025 عاد ليتلقى ضربة مباشرة من تطورات إقليمية لم تنجح الحكومة في تحييد أثرها على قطاع يعتمد في جوهره على الإحساس بالاستقرار قبل أي شيء آخر.
هذا التراجع لا يبدو حادثًا مفاجئًا خارج السياق، لأن وزير السياحة شريف فتحي كان قد أقر في مطلع مارس بوجود تباطؤ في الحجوزات القادمة إلى السوق المصرية، وقال إن الوزارة تعمل على أكثر من محور منها ما يتعلق بالتعاون مع شركات الطيران. لكن اعتراف الوزير نفسه لم يمنع انتقال السوق من التباطؤ إلى التراجع الفعلي، ولم يحم مستهدفات العام من الضربة الجديدة. فقد كانت الدولة تستهدف جذب نحو 21 مليون سائح خلال العام الجاري بعد تسجيل نحو 19 مليونًا في 2025، غير أن استمرار الحرب الحالية جعل هذا الهدف أقرب إلى رقم دعائي منه إلى خطة قابلة للتحقق في ظل الاضطراب المتواصل الذي يضرب قرارات السفر والبرامج الجوية وحجوزات المواسم المقبلة.
تراجع الحجوزات يضرب الهدف الرسمي
ثم ظهرت الضربة الأولى بشكل واضح في سوق الحجوزات الجديدة، لأن الشركات العاملة في السياحة لم تتحدث عن مجرد تباطؤ عابر بل عن تراجع ملموس في التعاقدات المقبلة. تقرير الشرق بلومبيرج نقل عن حسام الشاعر وريمون نجيب أن نسبة التراجع دارت حول 20%، كما نقل عن مسؤولين آخرين أن متوسط إلغاء الحجوزات الوافدة إلى مصر تجاوز 10% مع شبه توقف في الحجوزات الجديدة خلال موجات التوتر. هذه الأرقام تكشف أن الأزمة أصابت السوق في قلبه المباشر.
وبعد ظهور هذا التراجع، صار من الصعب الدفاع عن المستهدف الحكومي بالصيغة القديمة نفسها، لأن الوصول إلى 21 مليون سائح كان يفترض استمرار الزخم الذي تحقق في 2025 لا انكساره. الشرق بلومبيرج كانت قد ربطت التفاؤل الرسمي بزيادة السعة الفندقية وبرامج الطيران، لكن الحرب أعادت عنصر الخطر إلى الصورة، وحولت السوق من مسار نمو متوقع إلى مسار حذر تراقب فيه الشركات كل تطور عسكري قبل تثبيت أي حجز جديد.
وفي هذا السياق، قال حسام الشاعر إن التراجع في الحجوزات المستقبلية تجاوز 20% في فنادقه مقارنة بالفترة نفسها من كل عام، وهو تصريح يكتسب وزنه لأن صاحبه يرأس اتحاد الغرف السياحية ويعبر عن شريحة واسعة من المنشآت العاملة. هذا التقدير لا يقدم قراءة نظرية، بل يقدم شهادة من قلب السوق على أن الحرب قطعت المسار الذي كانت الحكومة تسوقه باعتباره عامًا استثنائيًا للسياحة المصرية.
توقف شرق آسيا يكشف هشاشة مسارات الطيران
ثم انتقل الأثر من تراجع عام في الحجوزات إلى توقف شبه كامل في بعض الأسواق، وهنا برزت أسواق شرق آسيا بوصفها الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا. هشام إدريس، رئيس شركة الوادي للسياحة، قال إن الحجوزات الجديدة من هذه الأسواق توقفت تمامًا بسبب توقف حركة الطيران للشركات الخليجية التي كانت تنقل السياحة الوافدة من تلك البلدان إلى مصر. هذا التطور يعني أن السوق لم يخسر طلبًا فقط، بل خسر أيضًا المسار الجوي الذي يحمل هذا الطلب.
وبسبب هذا الارتباط المباشر بين الرحلات الخليجية والسياحة القادمة من شرق آسيا، فإن أي اضطراب عسكري يمر عبر أجواء المنطقة أو يربك جداول النقل ينعكس فورًا على المقصد المصري. لذلك لم تعد المشكلة مقتصرة على صورة إقليم مشتعل في ذهن السائح، بل امتدت إلى عنصر عملي يتعلق بإمكانية الوصول نفسها. وعندما تتعطل وسيلة الوصول، يتعطل معها الحجز حتى لو بقيت الرغبة قائمة عند بعض منظمي الرحلات.
كما يكشف هذا التوقف أن التعافي الذي تحقق في 2025 كان قائمًا جزئيًا على ظروف خارجية قابلة للاهتزاز بسرعة، منها انخفاض قيمة الجنيه وما وفره من كلفة أقل للسائح، ومنها زخم افتتاح المتحف المصري الكبير في الربع الأخير من العام الماضي. لكن هذه العناصر الإيجابية فقدت جزءًا من أثرها بمجرد عودة التوتر العسكري، لأن السائح وشركة الطيران ومنظم الرحلات يعيدون الحسابات فورًا عندما تتغير خريطة المخاطر في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يعطي هشام إدريس شهادة مهنية مهمة لأن حديثه يربط بين توقف الحجوزات الجديدة وبين تعطل خطوط النقل لا بين ضعف الطلب وحده. هذا الربط يوضح أن الحكومة تواجه أزمة في إدارة الانكشاف على مسارات جوية غير مستقرة، لا مجرد أزمة ترويج أو دعاية خارجية. ولذلك فإن استعادة السوق الآسيوية لن تتحقق بخطاب تفاؤلي ما لم تستعد الرحلات انتظامها وتستعيد الشركات ثقتها في التشغيل.
طابا تحت ضغط العبور وضعف الإشغال
ثم ظهرت صورة التناقض الأوضح في طابا، لأن المعبر شهد تزاحمًا كبيرًا للوافدين من إسرائيل، كما ارتفعت رسوم العبور خلال مارس إلى 120 دولارًا بعد زيادات متتالية، لكن هذا الزحام لم يتحول إلى انتعاش سياحي فعلي داخل المدينة. حركة العبور الكثيفة بقيت في كثير من حالاتها مرورًا مؤقتًا نحو مطار طابا أو مطار شرم الشيخ، بينما ظلت الفنادق تعاني من ضعف الإشغال الفعلي.
وبعد استمرار هذا النمط، قال سامي سليمان، رئيس جمعية مستثمري طابا ونويبع، إن عدد الفنادق العاملة في المدينتين لا يزيد على 7 فنادق، بينما بقيت فنادق أخرى كثيرة مغلقة بسبب ضعف الإشغال منذ اندلاع حرب غزة. هذه الشهادة تكشف أن طابا لا تستفيد تلقائيًا من كثافة العابرين، لأن العابر الذي يمر نحو وجهة أخرى لا ينعش مدينة تعتمد على إقامة مستقرة وإنفاق سياحي مباشر داخل فنادقها ومنشآتها.
كما يوضح هذا الوضع أن الحرب لا تضرب السياحة المصرية بطريقة واحدة، لأن القاهرة تراها في أرقام الحجوزات، بينما تراها طابا في مفارقة أكثر قسوة تتمثل في حضور بشري كثيف لا ينتج إشغالًا حقيقيًا. لذلك فإن الحديث عن استمرار التدفق عبر المعبر لا يصلح وحده دليلاً على الصمود، ما دام هذا التدفق لا يفتح الفنادق المغلقة ولا يعيد المدينة إلى دورة تشغيل طبيعية فقدتها منذ اندلاع حرب غزة.
وفي هذا المستوى، يقدم سامي سليمان رأيًا خبيرًا من داخل المنطقة المتضررة نفسها، لأن حديثه لا يكتفي بوصف الزحام بل يربطه بعدد الفنادق العاملة فعلًا وبأثر الحرب على الإشغال والاستثمار. وهذه الشهادة تجعل أزمة طابا جزءًا من الأزمة العامة للسياحة في مصر، لا ملفًا منفصلًا يمكن عزله عن تأثير الحروب الإقليمية على الطلب وعلى التشغيل وعلى قدرة المدن الحدودية على البقاء.
وأخيرًا، تكشف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن قطاع السياحة في مصر ما زال سريع التأثر بأي اضطراب إقليمي، مهما قيل عن التعافي أو تنوع الأسواق أو ارتفاع الأهداف الرسمية. تراجع الحجوزات بنحو 20%، وتوقف أسواق شرق آسيا، واستمرار ضعف الإشغال في طابا رغم ضغط العبور، كلها وقائع تضع الحكومة أمام سؤال مباشر عن قدرتها على حماية قطاع حيوي من صدمات متكررة. وإذا استمرت الحرب واتسعت آثارها، فإن الأرقام المستهدفة ستتراجع أولًا، ثم سيتراجع معها الخطاب الرسمي الذي بالغ في تصوير التعافي باعتباره أمرًا محسومًا.

