دخلت ولاية النيل الأبيض في موجة جديدة من الاستهداف بعدما أعلن والي الولاية قمر الدين محمد فضل المولى تعرض مبان حكومية في ربك لهجوم بطائرات مسيّرة خلّف أضرارا مادية داخل أمانة الحكومة، في تطور يعكس اتساع دائرة الحرب من الجبهات العسكرية إلى المرافق المدنية والإدارية.
ولم يعد هذا النمط معزولا عن بقية المشهد السوداني، لأن الولاية نفسها شهدت خلال الأسابيع الأخيرة هجمات أخرى على منشآت مدنية وخدمية، بينها هجوم دام على مستشفى الجبلين، ما يضع السكان بين نار الاستهداف المباشر وتراجع القدرة الرسمية على حماية البنية الأساسية.
تتجاوز خطورة هذه التطورات حدود الخسائر المادية المباشرة، لأن السودان يدخل موسم الخريف وهو محمّل بأعباء حرب مفتوحة ونظام صحي منهك ومدن ملوثة بمخلفات القتال والألغام. الأمم المتحدة تقول إن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في 2026، بينما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي بات على حافة الانهيار تحت ضغط العنف والنزوح والجوع وتفشي الأمراض. وفي هذا المناخ، تصبح دعوات العودة إلى مناطق لا تزال مهددة بالألغام والتلوث وانهيار الخدمات وصفة إضافية لتوسيع الكارثة لا لاحتوائها.
النيل الأبيض تحت النار واتساع الاستهداف إلى مؤسسات الدولة
جاء الهجوم الذي أعلنه والي النيل الأبيض على مباني الحكومة في ربك بعد أيام من تصاعد واضح في استخدام المسيّرات داخل الولاية، بما يعكس انتقال الاستهداف من المواقع العسكرية إلى قلب الإدارة المحلية والخدمات العامة. هذا التحول لا يغيّر طبيعة الحرب فقط، بل يوسّع آثارها على السكان، لأن أي ضربة تطال المجمعات الحكومية أو المستودعات أو المستشفيات تنعكس مباشرة على القدرة على تقديم الخدمة وعلى الإحساس العام بالأمان داخل المدن.
وتكشف الوقائع الأحدث أن النيل الأبيض لم تعد ولاية خلفية بعيدة عن مرمى الهجمات، إذ قُتل ما لا يقل عن 10 أشخاص وأصيب 19 آخرون في 3 أبريل 2026 بعد هجوم بمسيّرتين على مستشفى الجبلين، استهدف غرفة عمليات وقسم الولادة خلال حملة لتطعيم الأطفال، بحسب أطباء بلا حدود وأسوشيتد برس. كما أفادت الوكالة نفسها بأن هجوما آخر طال مستودع إمدادات طبية في ربك، ما يؤكد أن البنية الطبية والخدمية دخلت هي الأخرى دائرة الاستهداف المنتظم.
وفي قراءة أوسع لهذا المسار، قال الدكتور جاويد عبد المنعم، الطبيب في منظمة أطباء بلا حدود، إن السودان يعيش “حالة طوارئ هائلة” وإن الأكثر هشاشة هم أول من يدفع ثمن الحرب عندما ينهار الوصول إلى الرعاية الأساسية والغذاء والخدمات. أهمية هذا التوصيف أنه يربط بين الهجوم العسكري وبين النتيجة المدنية المباشرة، لأن ضرب منشأة واحدة في ولاية منهكة لا يضيف رقما جديدا إلى سجلات الضحايا فقط، بل يقطع سلسلة العلاج والوقاية والرعاية عن مجتمع كامل.
ألغام الخرطوم وموسم الخريف يفتحان باب خطر مستمر
ومع اقتراب الأمطار، يتقدم خطر آخر لا يقل قسوة عن المسيّرات، وهو خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة التي تحاصر أحياء واسعة في الخرطوم ومناطق أخرى. خدمة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أكدت وجود 7 حقول ألغام مؤكدة في ولاية الخرطوم، بينها حقول مضادة للأفراد وأخرى مضادة للمركبات، كما أوضحت أن فرق الاستجابة تعاملت مع حوادث وأماكن ملوثة في بحري والمقرن. هذا يعني أن العودة إلى بعض الأحياء لا تصطدم فقط بخراب المباني، بل بأرض ملوثة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
ثم يزداد هذا الخطر مع الأمطار، لأن الخريف لا يحمل المياه وحدها، بل يكشف ما دفنته الحرب أو يحركه من مواضعه. التقارير الأممية والمراجعات المتخصصة تشير إلى أن النزاع منذ أبريل 2023 ضاعف التلوث بالذخائر غير المنفجرة داخل المدن السودانية، وأن هذا التلوث لا يقتصر على خطوط القتال القديمة بل يمتد إلى المدارس والمنازل والمستشفيات والبنية التحتية. وبذلك يتحول الموسم المطري من تحدٍّ خدمي متكرر إلى عامل إضافي يضاعف احتمالات الإصابة والموت بين المدنيين العائدين.
وفي هذا السياق، قال محمد صديق رشيد، رئيس برنامج تطهير الألغام في السودان، إن نحو 14 مليون شخص يواجهون خطر الذخائر المتفجرة يوميا، وإن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لأنهم قد يتعاملون مع أجسام مشبوهة من دون إدراك لطبيعتها. كما أوضح أن القتال داخل المدن نشر الخطر في المنازل والمدارس والمستشفيات، وأن تحديد 7 حقول ألغام داخل الخرطوم يرفع كلفة أي دعوة متسرعة للعودة قبل الإزالة والتأمين. هذا الكلام يضع المشكلة في إطارها الحقيقي بوصفها تهديدا يوميا لا ملفا فنيا مؤجلا.
وتؤكد الأرقام حجم هذا التهديد على الأرض، إذ أظهرت تحديثات أممية أن وجود الألغام والمخلفات المتفجرة تسبب في عشرات الضحايا خلال الأشهر الماضية. كما أن تقديرات متخصصة تحدثت عن كميات هائلة من حطام الحرب داخل الخرطوم، بما يضيف إلى خطر الانفجار خطرا آخر ناتجا عن المواد السامة والغبار والتلوث البيئي. لذلك فإن أي حديث رسمي عن عودة طبيعية للحياة يصطدم بواقع ميداني يقول إن العاصمة نفسها لم تتحول بعد إلى مساحة آمنة للسكن أو العمل أو الخدمة العامة.
نظام صحي على حافة الانهيار ودعوات العودة تفتقد الشروط الدنيا
وعلى المستوى الصحي، لا تبدو الصورة أقل خطورة. منظمة الصحة العالمية قالت في 9 يناير 2026 إن ألف يوم من الحرب دفعت النظام الصحي في السودان إلى حافة الانهيار، وإن استمرار العنف ونقص التمويل وتفشي الأمراض وسوء التغذية حول البلاد إلى أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم. كما حذرت المنظمة في فبراير 2026 من أن الهجمات المتكررة على المرافق الصحية قتلت مرضى وعاملين صحيين، وعرّضت ما تبقى من شبكة الرعاية لخطر التفكك الكامل.
ولا تقف التحذيرات عند البيانات الدولية، لأن اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان أعلنت في مارس 2026 أن أكثر من 600 من الكوادر الطبية قُتلوا أو أصيبوا منذ اندلاع الحرب. هذه الحصيلة توضح أن الانهيار لا يخص المباني والتجهيزات فقط، بل يشمل أيضا العنصر البشري الذي يقوم عليه أي نظام صحي. وحين يفقد القطاع أطباءه وممرضيه وإدارييه تباعا، تصبح استعادة الخدمة في المناطق المشتعلة أو المدمرة مهمة شبه مستحيلة حتى لو توقفت المعارك مؤقتا.
وفي توصيف مباشر لهذه اللحظة، قال الدكتور شبل صهباني، ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، إن النظام الصحي “على حافة الانهيار” تحت ضغط المرض والجوع وتراجع الوصول إلى الخدمات الأساسية. هذا التوصيف لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يشرح لماذا تتحول كل ضربة على مستشفى أو مركز صحي إلى تهديد واسع النطاق. فالبلد لا يملك فائضا صحيا يمتص الخسارة، بل يدار على حافة العجز، ما يجعل أي هجوم جديد مضاعفا في أثره الإنساني والخدمي.
كما أن انتشار الحميات والأمراض المعدية مع الأمطار يضاعف الأزمة، لأن البنية الصحية المتهالكة تواجه في الوقت نفسه نقص الأدوية وصعوبة الإمداد وخطر الاستهداف المباشر. تقارير دولية وصحفية حديثة أشارت إلى استمرار تفشي الكوليرا وحمى الضنك وأمراض أخرى، بينما تؤكد وكالات الإغاثة أن الأمطار قد تعزل مجتمعات كاملة وتقطع طرق الوصول إليها. وفي هذه الظروف، تبدو دعوات العودة إلى الخرطوم أو غيرها من المدن قبل إزالة الألغام وتأهيل المستشفيات أقرب إلى مغامرة سياسية منها إلى خطة مسؤولة لإعادة الاستقرار.
وأخيرا، يجتمع في السودان الآن 3 أخطار في وقت واحد، وهي هجمات المسيّرات التي تضرب منشآت الدولة والخدمة، وحقول الألغام التي تحاصر المدن وتنتظر الأمطار، وانهيار النظام الصحي الذي لم يعد قادرا على استقبال موجات جديدة من الإصابات والأوبئة. لذلك لا تبدو أزمة ربك ولا تحذيرات الصحة العالمية ولا اعتراضات الأطباء وقائع منفصلة، بل فصولا متصلة في بلد يتسع فيه مدى الحرب أسرع من قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال. وإذا استمرت الدعوات إلى العودة قبل تهيئة الحد الأدنى من الأمان الطبي والبيئي والأمني، فإن السودان سيكون أمام سيناريو أشد قسوة من الذي يعيشه الآن.
....

