تتصدر أزمة تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة المشهد الرسمي في مصر بعد إعلان القوائم الجديدة في 1 و2 أبريل 2026، وسط اعتراضات واسعة على ضم أسماء من خارج الحقل الإبداعي التقليدي إلى لجان يفترض أن تمثل الخبرة الثقافية المباشرة.
هذا الاعتراض لم ينشأ من خلاف شخصي عابر، بل خرج من غياب معيار معلن للاختيار، ومن عودة التعيين المباشر بوصفه الأداة الحاكمة داخل مؤسسة تقول اللائحة الرسمية إنها معنية بالكفاءة والتنوع والتوازن.
هذا التباين اتسع لأن التشكيل الجديد أعاد إلى الأذهان وقائع سابقة ارتبطت بمناصب وجوائز رسمية حضرت فيها صلات النفوذ والقرابة الوظيفية أكثر من منطق الاستحقاق الثقافي.
لذلك لم يعد الجدل منصبا على أسماء بعينها فقط، بل اتجه إلى سؤال مباشر عن الجهة التي تختار، والطريقة التي تختار بها، والسبب الذي يجعل مؤسسة ثقافية كبرى تبدو خاضعة لإرادة إدارية ضيقة أكثر من خضوعها لتقاليد الترشيح المفتوح.
معايير غائبة وقوائم تدار من أعلى
وبعد نشر القوائم، اتجهت الأنظار إلى اللجنة العامة التي غلب عليها طابع كبار السن، في مشهد وصفه كثيرون بأنه يكرس أنماطا إدارية قديمة على حساب الحضور الطبيعي للأجيال الأحدث.
هذا الانطباع تعزز لأن التشكيل الأخير بدا بعيدا عن مجتمع ضخم يتجاوز تعداده 114 مليون نسمة، ويحتاج إلى تمثيل أوسع لخبرات شابة تملك أدوات عصر مختلف عن الأجيال التي أعادت الدولة تدويرها مرة أخرى.
ثم زادت الشكوك عندما ظهرت أسماء أثارت تساؤلات فنية وإدارية واسعة، منها دعاء جمال البادي، ولميس نجم، وهالة عبد الودود، ونجلاء نصير ضمن لجنة الاستثمار الثقافي، مع تولي عمرو الليثي مسؤولية لجنة الإعلام، واستمرار سماح أبو بكر عزت في لجنة ثقافة الطفل.
هذه الاختيارات فتحت بابا واضحا للاعتراض لأن عددا منها لا يرتبط بسجل إبداعي مباشر يبرر الحضور داخل لجان نوعية يفترض أن تبنى على الخبرة الثقافية الأصلية.
وفي هذا السياق، قال عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق وأستاذ الوثائق والتاريخ الحديث بجامعة القاهرة، في 21 يوليه 2025 إن مناقشة السياسات الثقافية في مصر تظل مسألة أساسية لفهم طريقة إدارة المجال الثقافي نفسه.
دلالة هذا الكلام هنا أن الأزمة الحالية لا تبدو خلافا على أسماء فقط، بل تبدو نتيجة مباشرة لغياب سياسة معلنة تحكم الاختيار، وتحدد العلاقة بين المؤسسة الرسمية والمجال الثقافي المستقل.
الشيخوخة التنظيمية وفراغ الأشهر الماضية
وبينما اتسعت الاعتراضات، زاد الغموض بسبب تأخر الإعلان الرسمي عن التشكيل لفترة طويلة منذ انتهاء المدة القانونية السابقة في نوفمبر 2025.
هذا التأخير لم يكن تفصيلا إداريا صغيرا، لأن المجلس ظل لأشهر في حالة فراغ تنظيمي قبل أن يخرج بتشكيل اعتمد رسميا في مطلع أبريل 2026، بعد سلسلة اجتماعات تحدثت خلالها الوزارة نفسها عن معايير للشفافية والتوازن قبل صدور القوائم المثيرة للجدل.
كما عمق هذا التأخير الشكوك لأن المعطيات المتداولة داخل الوسط الثقافي ربطت التصور النهائي بتدخلات فردية واختيارات مباشرة أكثر من ربطه بنظام ترشيحات مفهوم.
لذلك بدا الفراغ الذي امتد من نوفمبر حتى أبريل سببا مباشرا في خروج تشكيل يفتقر إلى الثقة العامة.
وحين تعلن الوزارة لاحقا أن التشكيل يضم 21 لجنة لمدة عامين، فإن هذا الإعلان لا يبدد وحده الأسئلة التي راكمتها أشهر الصمت السابقة.
ثم ظهرت مشكلة أخرى تتعلق بتعدد العضويات وتكرار الأسماء نفسها في أكثر من موضع، بما يحرم كفاءات جديدة من فرصة مشاركة حقيقية، ويعيد تدوير الدائرة ذاتها من العلاقات والاختيارات.
هذا التكرار لا يضر الشكل فقط، بل يضر المضمون أيضا، لأنه يضيق التمثيل الفكري، ويترك اللجان أسيرة تصورات مألوفة، بينما يفترض أن تكون مساحة لاجتذاب رؤى متنوعة من أجيال وخلفيات ثقافية مختلفة.
وفي قلب هذا الاعتراض، أشار سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة، في يناير 2026 إلى أن التحديات التي تواجه الصناعات الإبداعية ترتبط بعلاقة الإبداع بالملكية الفكرية، وأن حماية هذا المجال مسؤولية تشاركية بين جميع الأطراف.
أهمية هذا الرأي أنه يكشف أن إدارة الثقافة لا تبدأ من توزيع المقاعد، بل من بناء منظومة تضمن مشاركة أوسع، وتحمي قيمة العمل الثقافي من الاحتكار الإداري وتضارب المصالح.
من لجان الثقافة إلى دوائر المصارف والعقارات
ومن هذه النقطة، اتسع النقد إلى طبيعة الشبكات الحاضرة داخل التشكيل الجديد، بعدما برزت أسماء من دوائر المصارف والعقارات، إلى جانب حضور اجتماعي مرتبط بنوادي الروتاري والليونز.
هذه الصورة دفعت قطاعا من المثقفين إلى القول إن المؤسسة الرسمية تتعامل مع الثقافة باعتبارها مجالا تديره العلاقات الاجتماعية المغلقة، لا مجالا مهنيا تخصصيا تحكمه الخبرة والإنتاج والمعرفة المتراكمة داخل الحقل الثقافي نفسه.
كما عززت لجنة الاستثمار الثقافي هذا الانطباع لأنها بدت نموذجا مباشرا لتحول الثقافة داخل البنية الرسمية إلى ملف يرتبط بالنفوذ المالي والمكانة الاجتماعية أكثر من ارتباطه بالممارسة الإبداعية أو النقدية.
هذا التحول لا يقتصر أثره على التشكيل الحالي، بل يوسع الفجوة بين المؤسسة الرسمية وبين المشهد الثقافي الحقيقي الذي يعيشه الكتاب والفنانون والباحثون خارج دوائر النفوذ الإداري والاجتماعي المغلقة.
وبعد ذلك ظهر خلل آخر يتعلق بالرؤية، لأن الخطاب المتداول عن اللجان تحدث عن ملفات واسعة تشمل السينما والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والترجمة والتاريخ والآثار وفنون الطفل والشباب والجغرافيا والعلوم القانونية، بينما أكد التشكيل المعتمد في 2 أبريل 2026 أن العدد النهائي هو 21 لجنة لا 24.
ومع ذلك ظل الاعتراض قائما لأن القوائم لم تقدم تصورا واضحا لقضايا التحول الرقمي وحرية التعبير ودعم الصناعات الإبداعية المستقلة.
وفي هذا الإطار، قال محمد خليف، مقرر لجنة الثقافة الرقمية والبنية المعلوماتية الثقافية، إن مستقبل الثقافة الرقمية في مصر يتطلب إدماج الشباب في عملية التحول الرقمي الثقافي، لأنهم يمثلون أكثر من 60 بالمئة من المجتمع المصري، كما شدد هو وزياد عبد التواب على أن سياسات الثقافة الرقمية يمكن أن تسهم في التنمية وإحياء الدور الثقافي المصري.
هذا الكلام يفضح مباشرة عجز التشكيل الحالي عن مواكبة ملف العصر الأكثر إلحاحا.
وأخيرا، لا تبدو أزمة لجان المجلس الأعلى للثقافة مجرد خلاف عابر على أسماء أو أعمار أو مواقع إدارية، بل تبدو واقعة موثقة تكشف طريقة إدارة المجال الثقافي الرسمي في مصر الآن.
فحين تغيب المعايير، ويتأخر الإعلان، وتتكرر الأسماء، وتتقدم شبكات المصالح، ويتراجع الشباب، تصبح المؤسسة نفسها موضع مساءلة سياسية وثقافية.
لهذا خرج التشكيل الأخير بوصفه عنوانا لأزمة سلطة داخل الثقافة، لا بوصفه بداية لإصلاحها.

