بدأت قيمة نظام «مجيد» الإيراني تتقدم في الخطاب العسكري والإعلامي بعدما تعرضت شبكة الإنذار المبكر والرادارات الإيرانية لضربات قاسية خلال حرب يونيو 2025، وبعدما تحدثت تقارير متلاحقة عن انتقال طهران إلى وسائل كشف واشتباك أقل اعتمادا على البث الراداري وأكثر ميلا إلى التتبع الحراري والبصري. وفي هذا السياق ظهر «مجيد» بوصفه أداة دفاع نقطي قصيرة المدى، لا بديلا كاملا عن الشبكة المتهالكة بل محاولة عملية لسد فجواتها الأكثر إلحاحا.
مجيد كقرار تعويض سريع بعد تآكل الإنذار المبكر
أوضح توصيفات النظام المتاحة أن «مجيد» صمم لاعتراض الأهداف المنخفضة مثل الطائرات المسيرة وصواريخ الكروز والمروحيات، وأن صاروخه «إيه دي-08» يعمل بتوجيه تصويري حراري سلبي مع مدى يقارب ثمانية كيلومترات وارتفاع اشتباك يصل إلى ستة كيلومترات، ما يمنحه ميزة الاشتباك من دون كشف موقعه بسهولة عبر انبعاثات رادارية مباشرة. وهذه الخاصية تفسر سبب عودته إلى الواجهة كلما تضررت الرادارات أو تراجعت كفاءتها.
لفت الباحث سام لاير، من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار، إلى أن رادارات الدفاع حول نطنز بدت «مجزأة ومنعزلة» أكثر مما كان متوقعا، وأن ما ظهر من بيانات يشير إلى هشاشة بنيوية في الربط بين المجسات المختلفة. ويعني ذلك عمليا أن القيادة الإيرانية احتاجت إلى أدوات اشتباك محلية وسريعة لا تنتظر تكامل الشبكة الكبيرة، وهو بالضبط المجال الذي يتحرك فيه «مجيد» كنظام حماية قريب لا كنظام سيادة جوية واسعة.
وفي ظل هذا التقدير، لا يبدو تقديم «مجيد» على أنه سلاح حاسم قراءة دقيقة بقدر ما يبدو وصفه كحل اضطراري لمرحلة ما بعد تراجع الرادارات. فالنظام يملك ميزة الحركة وسرعة النشر والعمل البصري الليلي، لكنه محدود المدى والأثر، ولذلك فإن قراره العسكري واضح، وهو حماية النقاط الحساسة والقوافل والمنشآت من التهديدات القريبة، لا إعادة بناء المظلة الإيرانية التي أصابها التآكل على مستويات أوسع.
من تراجع الشبكة إلى الرهان على الكشف الصامت
يبين مسار الحرب أن طهران لم تعد تتصرف وكأن معركتها الأساسية هي تشغيل كل الرادارات القديمة من جديد، بل كأنها تبحث عن خفض بصمتها الإلكترونية والاعتماد على وسائل يصعب اصطيادها سريعا. وقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن عامير أبيفي أن إيران طورت شبكة كاميرات متعددة الأطياف تساعد على اكتشاف الطائرات وتتبعها من دون انبعاثات تجعلها هدفا سهلا، وهو تحول يتسق مع منطق استخدام «مجيد» ذي التوجيه الحراري السلبي.
وأكد جوستن برونك، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن شبكة الدفاع الجوي الإيرانية تعرضت لتدهور كبير إلى درجة سمحت للطيران الإسرائيلي بالعمل يوميا داخل المجال الإيراني. وهذه الملاحظة تفسر الخلفية التي دفعت طهران إلى تعظيم أي نجاح موضعي لاحق، لأن أي إسقاط محدود بعد هذا التدهور يصبح سياسيا أكبر من حجمه العسكري، ويستخدم لإثبات أن الدفاع لم يمت تماما رغم الخسائر.
وفي موازاة ذلك، جاءت حادثة إسقاط الطائرة الأميركية لتمنح هذه الرواية مادة حية. فقد أفادت أسوشيتد برس في 5 أبريل 2026 بأن إيران أسقطت مقاتلة أميركية داخل أراضيها، وأن ذلك مثّل أول سقوط لطائرة أميركية في العمق الإيراني منذ بدء الحرب في 28 فبراير 2026. هنا تنتقل القصة من قرار الترميم إلى نتيجة سياسية مباشرة، إذ استطاعت طهران القول إن دفاعاتها المتضررة ما زالت قادرة على الإيلام ولو عبر طبقات محدودة ومتفرقة.
السلاح الصيني بين الشائعة والفراغ الدليلي
أشار الجدل اللاحق إلى روايات عن إدخال أنظمة صينية جديدة للدفاع الجوي بعد الضربات التي أصابت الرادارات الإيرانية، لكن المشكلة أن الدليل العلني ظل ضعيفا. فقد نقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست في يوليو 2025 نفي السفارة الصينية في إسرائيل لتقارير تحدثت عن نقل أنظمة دفاع جوي إلى إيران، وقالت بكين إنها لا تصدر السلاح إلى دول منخرطة في حرب. وهذا النفي لا يحسم الملف، لكنه يمنع الجزم بأن التسليم وقع وثبت ميدانيا.
ويرى شو تيانران، وهو محلل أول يركز على أمن شمال شرق آسيا وأنظمة الصواريخ، أن «لا دليل إطلاقا» على تشغيل إيران لمنظومات صينية من طراز «إتش كيو-9 بي»، كما نقل موقع دومينو ثيوري، الذي أضاف أن لا صور ظهرت لهذه المنظومات في الخدمة الإيرانية ولا صور أقمار صناعية تثبت نشرها ولا تأكيدات أميركية أو إسرائيلية عن مواجهتها في القتال. وهذه الشهادة تجعل روايات «السلاح الصيني الجديد» أقرب إلى فرضية غير مكتملة.
وأوضحت حادثة صواريخ الكروز والطائرات الأميركية المنفجرة كيف تتصارع الرواية مع الوقائع الميدانية. فأسوشيتد برس ذكرت أن التلفزيون الإيراني قال إن الدفاعات أسقطت طائرة نقل أميركية ومروحيتين خلال عملية الإنقاذ، لكن مسؤولا استخباريا إقليميا أبلغ الوكالة أن الجيش الأميركي فجر طائرتي نقل بسبب عطل فني أثناء المهمة. هنا تظهر النتيجة الأهم، وهي أن طهران تملك مصلحة في توسيع حصيلة الدفاع الجوي إعلاميا، بينما تظل بعض التفاصيل محل نزاع حتى الآن.
وأكدت الرواية المتعلقة بصاروخ الكروز الأميركي أن قيمة الحدث لا تتوقف عند جسم الهدف بقدر ما ترتبط بطبيعة البيئة التي اشتبك فيها الدفاع الإيراني. فإذا كان «مجيد» وأمثاله صمموا أصلا لمواجهة الأهداف المنخفضة والسريعة نسبيا، فإن الاستدلال بإسقاط صاروخ كروز أو إصابة طائرة في نطاق قريب يخدم السردية الإيرانية القائلة إن المشكلة لم تعد في وجود السلاح القصير، بل في إعادة وصل الطبقات المتباعدة داخل شبكة أوسع انهكتها الحرب.
وأخيرا اختتمت الصورة كلها عند نقطة حاسمة، وهي أن «مجيد» لا يمثل ولادة دفاع جوي إيراني جديد بقدر ما يمثل اعترافا عمليا بأن مرحلة ما بعد تحطم الرادارات فرضت على طهران حلول نجاة سريعة ومحدودة. وبين نفي صيني رسمي، وتحفظ خبراء على روايات التسليم، وخلاف قائم حول ما إذا كانت بعض الخسائر الأميركية ناجمة عن إسقاط مباشر أم عن أعطال وتفجير ذاتي، يبقى الثابت الوحيد أن إيران تحاول تحويل أي نجاح تكتيكي إلى تعويض استراتيجي، لكن الفجوة بين الاثنين ما زالت واسعة ولم تغلق بعد.

