أعادت الهجمات الأخيرة في جنوب ولاية النيل الأبيض ودارفور فتح واحد من أخطر ملفات الحرب السودانية، بعدما امتد الاستهداف مرة أخرى إلى المستشفيات والكوادر الطبية ومخازن الإمدادات ومحطات الوقود، في مشهد يؤكد أن المرافق الصحية لم تعد مناطق محمية حتى في الحد الأدنى. وجاء مقتل المدير العام لمستشفى الجبلين التعليمي، الدكتور حامد سليمان النور، مع عدد من المدنيين والعاملين، ليضع الحرب أمام صورة أكثر قسوة، لأن القتل لم يعد يضرب الجبهات فقط، بل يضرب من يفترض أنهم يقفون خارج القتال أصلًا.
تكشف هذه الوقائع أن الخطر لم يعد مقتصرًا على توسع العمليات العسكرية، بل وصل إلى مستوى يهدد بإنهاء ما تبقى من القدرة الصحية في مناطق واسعة من السودان. فعندما تُقصف محيطات المستشفيات، وتُقتحم المرافق العلاجية، وتُضرب الكوادر الطبية، وتتلف الأجهزة، ثم يُقتل مديرو المؤسسات الصحية والعاملون فيها، فإن الرسالة المباشرة التي تصل إلى السودانيين هي أن الحرب باتت تستهدف شروط الحياة نفسها، لا الخصوم المسلحين وحدهم.
الطائرات المسيرة قتلت الكوادر الطبية ووسعت دائرة الاستهداف في النيل الأبيض
قُتل تسعة سودانيين في هجوم بطائرات مسيرة شنته قوات الدعم السريع جنوب ولاية النيل الأبيض، وفق ما أكده مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان. وتضمنت قائمة القتلى المدير العام لمستشفى الجبلين التعليمي الدكتور حامد سليمان النور، في حادثة حملت دلالة ثقيلة لأن الضحايا لم يكونوا مجرد عابرين في منطقة اشتباك، بل كان بينهم مسؤول طبي يتولى إدارة مرفق صحي يخدم المدنيين.
ثم اتسعت قائمة الضحايا لتشمل المديرة الإدارية إلهام حامد، وعابد مختار، وعفاف نوح، وعبد الله مختار، وإبراهيم حامد بشارة، إلى جانب آخرين لم تكشف هوياتهم بعد. ويكشف هذا التوسع في أسماء القتلى أن الهجوم لم يصب هدفًا عسكريًا محدودًا، بل أصاب دائرة مدنية أوسع، وهو ما يضاعف المخاوف من أن الاستهداف صار يقع على نحو عشوائي أو واسع النطاق من دون تمييز.
كما امتد أثر الهجوم إلى البنية الحيوية المرتبطة بالحياة اليومية والخدمات العامة، إذ هزت انفجارات مستودعات الإمدادات الطبية ومحطات الوقود في مدينة ربك. وفي كوستي تعرض تانكر وقود وسيارتان لأضرار أمام محطة العليقي للوقود. ويؤكد هذا الامتداد أن الهجوم لم يقتصر على إزهاق الأرواح، بل ضرب أيضًا ما يتصل بالإمداد والعلاج والحركة والنقل، بما يفاقم شلل الحياة المدنية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السوداني خالد التيجاني النور أن استهداف المرافق المدنية في الحرب السودانية لم يعد حادثًا جانبيًا، بل صار جزءًا من نمط يفرض على المدن كلفة إنسانية مباشرة تتجاوز أي حساب عسكري ضيق. وتكتسب هذه القراءة معناها هنا لأن مقتل طبيب وإدارية ومستودعات طبية ومحطات وقود في الهجوم نفسه يكشف أن الضرر لم يعد منفصلًا بين هدف وآخر.
اقتحام المستشفيات والاعتداء على الأطباء كشف أن المرافق الصحية صارت هدفًا مباشرًا
في السياق نفسه، أفادت شبكة أطباء السودان بأن قوات تتبع للدعم اقتحمت مستشفى الأسرة في حي الناظر بمدينة الضعين، كما اقتحمت مستشفى آخر في مدينة نيالا. ووفق الشبكة، اعتدت هذه القوات على الكوادر الطبية بالضرب، وحطمت المعدات والأجهزة الطبية بالكامل. ولا يترك هذا الوصف مساحة لاعتبار ما جرى حادثًا عرضيًا، لأن الاقتحام والضرب والتكسير أفعال مباشرة وقعت داخل مرافق يفترض أنها مخصصة للعلاج.
ثم أكدت الشبكة أن المعتدين كانوا تحت حماية قيادة رئيس الإدارة المدنية، معتبرة أن ذلك يعكس حجم الانفلات الأمني والاستهانة بحياة المدنيين وسلامة العاملين في الحقل الطبي. ويعطي هذا الاتهام بعدًا أخطر لما جرى، لأنه لا يصف اعتداء منفلتًا فقط، بل يربط بين الاعتداء وبين غطاء قيادي أو حماية على مستوى الإدارة المحلية، بما يزيد من خطورة الواقعة سياسيًا وحقوقيًا.
كما وصفت شبكة أطباء السودان هذه الحوادث بأنها خرق واضح للقوانين المحلية والأعراف الدولية التي تحظر استهداف المنشآت الصحية والعاملين فيها، وحملت قوات الدعم وقياداتها المسؤولية الكاملة. ثم دعت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التدخل لحماية المرافق الطبية. ويؤكد هذا الموقف أن الجسم الطبي نفسه لم يعد يكتفي بوصف الانتهاك، بل بات يطالب بحماية عاجلة من انهيار يتسع يومًا بعد يوم.
وفي هذا الإطار، يحذر الباحث السوداني خلود خير من أن استمرار الحرب في السودان يدفع المؤسسات الخدمية، وعلى رأسها الصحة، إلى مرحلة التآكل الكامل حين تتكرر الهجمات على المستشفيات ويغيب الردع الدولي. وتساعد هذه الرؤية على فهم مغزى اقتحام مستشفيين في الضعين ونيالا، لأن الأزمة هنا لا تتعلق بمرفق واحد يتعطل، بل بقطاع كامل يجري إنهاكه على نحو منظم ومتكرر.
التحذيرات الحقوقية تكشف اتساع القتل وغياب أي حماية فعلية للمدنيين
حذر مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان من اتساع نطاق الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية، مؤكدًا أن الهجمات بالطائرات المسيرة أسفرت عن مقتل أكثر من خمسمئة شخص خلال ثلاثة أشهر، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في 24 مارس الماضي. ويمنح هذا الرقم التطورات الأخيرة معناها الأوضح، لأن مقتل تسعة أشخاص في النيل الأبيض لا يظهر بوصفه واقعة معزولة، بل بوصفه جزءًا من مسار دموي يتسع بسرعة.
ثم دعا المرصد إلى حماية العاملين في الحقل الطبي والمدنيين والمرضى، وإلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، كما طالب أطراف النزاع بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني الذي يعتبر استهداف المستشفيات جريمة حرب. ويكشف هذا الطلب أن المؤسسات الحقوقية لم تعد تتحدث فقط عن توثيق الانتهاكات، بل عن ضرورة وقف فوري يضمن بقاء الحد الأدنى من القدرة على العلاج والحياة.
كما يظهر من تتابع الوقائع أن الخطر لا يتوقف عند عدد القتلى الحالي، لأن تدمير المعدات والأجهزة الطبية، والاعتداء على الأطباء، وضرب الإمدادات ومحطات الوقود، كلها عوامل تدفع إلى وفيات لاحقة غير مباشرة. فالمريض الذي لا يجد مستشفى تعمل، والطبيب الذي يُضرب أو يُطرد، والمدينة التي تفقد الوقود والإمداد، كلها تدفع ثمن الهجوم مرة ثانية وثالثة بعد انتهاء الانفجار نفسه.
وفي هذا المعنى، يؤكد الباحث في القانون الدولي الإنساني معتز الفحل أن استهداف المستشفيات أو تعطيلها لا يمثل فقط انتهاكًا قانونيًا، بل يضاعف الخسائر المدنية على المدى القصير والمتوسط، لأن المرفق الصحي حين يتعطل لا يسقط وحده بل يسقط معه حق السكان في النجاة. وتفسر هذه الملاحظة لماذا يبدو اقتحام المستشفيات في الضعين ونيالا أخطر من كونه اعتداءً على مبنى.
بعد ذلك، تتضح قسوة المشهد أكثر حين نربط بين مقتل مدير مستشفى الجبلين التعليمي وبين الاعتداء على كوادر طبية في دارفور وبين تقرير أممي يتحدث عن أكثر من خمسمئة قتيل خلال ثلاثة أشهر من هجمات الطائرات المسيرة. فهذا الربط يكشف أن الحرب لم تعد مجرد صراع مسلح بين قوتين، بل تحولت إلى منظومة تهدد الطبيب والمريض والإمداد والمدينة والحق في العلاج في الوقت نفسه.
كما تؤكد هذه الوقائع أن المرافق الصحية لم تعد تملك أي حصانة فعلية على الأرض، رغم أن القانون الدولي الإنساني يضعها ضمن المناطق التي يجب تحييدها. وعندما تقع الهجمات بهذا التتابع على ربك وكوستي والجبلين والضعين ونيالا، فإن القضية لا تعود وصفًا لحادثة محلية، بل تصبح دليلًا على أن الحماية القانونية موجودة في النصوص، بينما الغياب العملي للحماية هو ما يحكم المشهد بالفعل.
وأخيرًا، فإن مقتل الدكتور حامد سليمان النور ومن معه، واقتحام المستشفيات في الضعين ونيالا، وتدمير الأجهزة، والتحذير من أكثر من خمسمئة قتيل خلال ثلاثة أشهر، كلها وقائع تؤكد أن الحرب السودانية دخلت مرحلة أكثر خطورة على المدنيين والقطاع الصحي معًا. ولذلك لا تبدو الدعوات إلى هدنة إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار مطلبًا سياسيًا فقط، بل شرطًا مباشرًا لمنع مزيد من القتل ومنع ما تبقى من المستشفيات من السقوط الكامل.

