لم يعد مشروع استهداف الأسرى الفلسطينيين محصورًا في التضييق داخل الزنازين أو في سياسات الإهمال والتعذيب التي وثقتها منظمات دولية على مدى الشهور الماضية، لأن الكنيست الإسرائيلي انتقل إلى خطوة أخطر بإقرار قانون يجعل عقوبة الإعدام إلزامية بحق فلسطينيين في الضفة الغربية أمام المحاكم العسكرية، مع طابع تمييزي واضح أثار رفضًا دوليًا واسعًا. وقد دفعت هذه الخطوة 31 منظمة حقوقية وإغاثية، بينها العفو الدولية، إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بالتحرك العاجل، معتبرة أن ما جرى لا يمثل تعديلًا قانونيًا عاديًا، بل تصعيدًا نوعيًا يضرب الحق في الحياة ويهدم الحد الأدنى من ضمانات العدالة.
جاء هذا التصعيد بينما يتسع أصلًا ملف الأسرى في سياق حرب مدمرة على غزة وتصاعد متواصل في الضفة الغربية، وفي وقت تؤكد فيه تقارير حقوقية أن السجون الإسرائيلية تحتجز أكثر من تسعة آلاف وخمسمئة فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، وسط أوضاع إنسانية قاسية. ولذلك لم يبدُ القانون الجديد منفصلًا عن المناخ العام، بل بدا امتدادًا مباشرًا لمسار سياسي وأمني يدفع نحو معاملة الفلسطينيين داخل منظومة قانونية تمييزية، ثم يحاول تحويل هذا التمييز إلى نص واجب التنفيذ، مع منح القضاء العسكري أدوات أشد بطشًا وأقل خضوعًا للضمانات.
المنظمات الدولية طالبت أوروبا بالتحرك لأن القانون يشرعن التمييز ويهدد الحق في الحياة
دعت منظمات حقوق إنسان وإغاثة دولية الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست، وقالت في بيان مشترك إن مشروع القانون يجعل عقوبة الإعدام إلزامية في الضفة الغربية ويطبق فعليًا على الفلسطينيين فقط. كما شددت هذه المنظمات على أن النص، حتى لو لم يذكر الأصل العرقي أو الجنسية صراحة، صُمم في الواقع لاستهداف الفلسطينيين، وهو ما يمنحه طابعًا تمييزيًا واضحًا في نظر المؤسسات الحقوقية الدولية.
ثم أكدت هذه المنظمات أن الاتحاد الأوروبي يرفض عقوبة الإعدام في جميع الظروف باعتبارها قاسية وغير إنسانية ومخالفة للكرامة الإنسانية، وأن القانون الإسرائيلي الجديد ينتهك الضمانات الأساسية المعترف بها دوليًا لحماية من يواجهون حكمًا بالإعدام. وبذلك وضعت المنظمات أوروبا أمام اختبار سياسي وأخلاقي مباشر، لأنها ربطت بين المبادئ التي يعلنها الاتحاد وبين وجوب التحرك الفعلي لا الاكتفاء بالتعبير عن القلق أو تسجيل الاعتراض الدبلوماسي.
كما اعتبرت المنظمات أن الطبيعة التمييزية للقانون، إلى جانب غياب ضمانات المحاكمة العادلة، تشكل انتهاكًا للحق في الحياة ولأحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة ولوائح لاهاي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. وهذه الإحالة إلى حزمة من المرجعيات القانونية توضح أن الاعتراض لا يدور فقط حول قسوة العقوبة، بل حول انهيار الأساس القانوني الذي يفترض أن يحكم معاملة الأسرى تحت الاحتلال.
وفي هذا السياق، قالت إريكا جيفارا روساس من العفو الدولية إن أي أحكام إعدام تصدر بموجب هذا القانون ستنتهك الحق في الحياة، وقد ترقى إلى جرائم حرب حين تُفرض على فلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتكتسب هذه الشهادة وزنًا خاصًا لأنها تصدر عن واحدة من أبرز المنظمات التي شاركت في الضغط على الاتحاد الأوروبي، ولأنها تربط القانون مباشرة بمنظومة أوسع من الفصل والتمييز والعنف ضد الفلسطينيين.
الغضب في البريج أكد أن الأسرى ما زالوا في قلب الإجماع الشعبي الفلسطيني
جاءت هذه الضغوط الدولية بالتوازي مع غضب شعبي متصاعد داخل قطاع غزة، حيث شهد مخيم البريج وقفة جماهيرية حاشدة رفضًا لما يسمى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. وشارك في الوقفة مخاتير ووجهاء عشائر ورجال إصلاح وشخصيات اعتبارية، إلى جانب عائلات الأسرى الذين رفعوا صور أبنائهم، مؤكدين أن المساس بهم يمثل تجاوزًا للخطوط الحمراء. ويكشف هذا الحشد أن القانون لم يُستقبل باعتباره شأنًا قضائيًا بعيدًا، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا لحياة آلاف العائلات الفلسطينية.
ثم حملت الوقفة رسالة سياسية واجتماعية واضحة، حين أكد متحدث باسم العشائر واللجان الشعبية في المخيم أن الفعالية تهدف إلى إعلان أن الأسرى ليسوا وحدهم، وأن أي إجراءات تستهدف حياتهم ستواجه بردود فعل قوية شعبيًا ووطنيًا. وتمنح هذه الصياغة الوقفة معناها الأوضح، لأنها تنقل القضية من موقع التعاطف إلى موقع الالتزام الجمعي، حيث يظهر الأسرى بوصفهم قضية جامعة لا ملفًا خاصًا بعائلاتهم فقط.
كما عبّرت عائلات الأسرى عن تمسكها بحقوق أبنائها، وقال أحد أولياء الأمور إن الأسرى يمثلون رموزًا للحرية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحمايتهم من تداعيات القانون الجديد. ويكشف هذا النداء أن العائلات لا ترى القانون مجرد أداة ترهيب، بل ترى فيه خطرًا حقيقيًا على حياة أبنائها في ظل منظومة قضائية وعسكرية طالما اتُّهمت بالتمييز ضد الفلسطينيين.
وفي هذا الإطار، قالت يولي نوفاك، المديرة التنفيذية لمركز بتسيلم، إن القانون يمثل مرحلة جديدة في نزع إنسانية الفلسطينيين وإدخال العنف ضدهم إلى بنية القانون نفسه. وتكتسب هذه العبارة أهميتها لأنها تصدر من داخل المشهد الحقوقي الإسرائيلي، ولأنها تربط بين التشريع الجديد وبين تاريخ طويل من القتل والإفلات من العقاب وسوء المعاملة داخل السجون، بدل اعتباره انحرافًا مفاجئًا عن القاعدة.
تفاصيل القانون تكشف أنه صُمم لتسريع الإعدام داخل منظومة قضائية تمييزية
ينص القانون الذي أقره الكنيست على فرض عقوبة الإعدام شنقًا كعقوبة افتراضية على فلسطينيين من الضفة الغربية يدانون بقتل إسرائيليين في هجمات تصنفها إسرائيل إرهابية، ويعطي المحاكم العسكرية صلاحية إصدار الحكم من دون الحاجة إلى إجماع كامل، مع إمكان التنفيذ خلال تسعين يومًا. كما يستبعد اليهود الإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم مماثلة من التطبيق العملي للقانون، وهو ما دفع منتقديه إلى وصفه بأنه قانون تفريقي بطبيعته وآثاره.
ثم تتضاعف خطورة هذا التشريع لأنه يمنح هوية تنفيذية شديدة الانغلاق والسرية، ويضع المحاكم العسكرية داخل آلية التطبيق، بما يوسع سلطة البنية القضائية المرتبطة بالاحتلال في تقرير مصير الأسرى الفلسطينيين. وهذا التفصيل بالغ الأهمية، لأن المحاكم العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية تواجه أصلًا انتقادات واسعة بسبب ضعف ضمانات المحاكمة العادلة فيها، ما يجعل ربطها بعقوبة نهائية وغير قابلة للتراجع أمرًا أكثر خطورة من النص العقابي نفسه.
كما أثار القانون اعتراضات داخلية في إسرائيل نفسها، إذ انتقده مسؤولون سابقون وقضاة وأكاديميون وحقوقيون، ووصفت أصوات إسرائيلية بارزة القانون بأنه وصمة أخلاقية وخطوة رجعية. وأشارت تغطيات حديثة إلى أن منظمات مدنية إسرائيلية تستعد للطعن فيه أمام المحكمة العليا باعتباره غير دستوري ويكرس نظامًا قانونيًا ذا مستويين، أحدهما للفلسطينيين والآخر للإسرائيليين.
وفي هذا المعنى، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن القانون الجديد تمييزي بوضوح، وإن تطبيقه في الأرض الفلسطينية المحتلة قد يرقى إلى جريمة حرب. وتكمن أهمية هذا التحذير في أنه لا يكتفي بوصف التشريع بأنه قاسٍ أو غير إنساني، بل يربطه مباشرة بإمكان قيام مسؤولية دولية جنائية إذا انتقلت إسرائيل من مرحلة الإقرار البرلماني إلى مرحلة التنفيذ الفعلي ضد الأسرى الفلسطينيين.
بعد ذلك، تبدو الدعوة التي أطلقتها المنظمات الدولية لتعليق الجزء التجاري من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل امتدادًا منطقيًا لفشل الضغوط السابقة. فالمنظمات قالت إن مراجعة أوروبية أُجريت في يونيو 2025 خلصت إلى أن إسرائيل انتهكت التزاماتها في مجال حقوق الإنسان بسبب انتهاكات خطيرة ارتكبتها بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وإن تسعة أشهر مرت من دون تحرك كافٍ. ولهذا طالبت هذه المنظمات أوروبا بأن تترجم مبادئها إلى إجراءات ملموسة لا إلى بيانات.

