وقع حريق منذ ساعات داخل مصنع ومخزن للملابس الجاهزة في الدور الأرضي من عقار سكني مكون من اثني عشر طابقا في شارع سرايا القبة بحي الزيتون في القاهرة.
الحريق لم يبدأ في منطقة صناعية مغلقة، بل بدأ داخل مبنى يسكنه مواطنون.
هذه البداية تضع المسؤولية منذ اللحظة الأولى على وضع كان قائما قبل اشتعال النار، لا على مشهد الإطفاء الذي جاء بعد وقوع الكارثة.
أسفرت الحصيلة الأولية المتداولة عن وفاة ستة أشخاص وإصابة خمسة عشر آخرين، بينما دفعت الإدارة العامة للحماية المدنية بعدد من سيارات الإطفاء للسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى الطوابق العليا.
قوات الأمن فرضت طوقا أمنيا حول العقار، والإدارة العامة للمرور أعادت تنظيم السير في الشوارع المحيطة.
لكن هذه الإجراءات كلها جاءت بعد سقوط الضحايا، لا قبل منع أسباب الخطر من داخل العقار نفسه.
وتؤكد التغطيات المنشورة أن الحريق حاصر عقارا سكنيا مرتفعا في الزيتون، ما ينسجم مع رواية وقوعه داخل مبنى من اثني عشر طابقا.
الحريق بدأ من الدور الأرضي والضحايا دفعوا الثمن في عمارة سكنية
كشفت المعاينة أن النيران اندلعت في مصنع ومخزن للملابس بالدور الأرضي في العقار رقم أربعة بشارع سرايا القبة بحي الزيتون.
هذا التفصيل يحسم طبيعة المكان الذي خرجت منه النيران.
المصدر لم يكن شقة معزولة ولا ماسورة غاز في مدخل عقار، بل نشاطا يجمع بين العمل والتخزين داخل قاعدة مبنى سكني مزدحم، وهو وضع يضاعف الخطر على السكان من اللحظة الأولى.
ثم انتقلت قوات الحماية المدنية فور تلقي البلاغ، وفصلت الجهات المختصة المرافق عن العقار، وبدأت سيارات الإطفاء عمليات السيطرة والتبريد.
هذا التحرك السريع يعكس اتساع الحريق منذ بدايته.
كما أن فرض الطوق الأمني حول المنطقة لم يكن إجراء شكليا، لأن الشوارع المحيطة بالعقار كانت تحتاج إلى الإخلاء لتسهيل دخول الإطفاء والإسعاف.
غير أن سرعة الاستجابة لا تمحو حقيقة أن مصدر الخطر كان مستقرا في مكانه قبل الحادث.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حاتم صادق أستاذ مادة مكافحة الحريق بكلية الهندسة في جامعة حلوان إن زيادة الأحمال الكهربائية في المباني من الأسباب المتكررة للحرائق، وإن الكشف المستمر على الأسلاك الكهربائية شرط أساسي للوقاية، كما شدد على أن طريقة التعامل السريع مع الحريق وخروج المواطنين بسلام عنصران حاسمان في تقليل الخسائر.
هذا الرأي الفني لا يحدد سبب حريق الزيتون قبل التحقيق، لكنه يضع الواقعة داخل نمط معروف في حرائق المباني التي تفتقر إلى متابعة جادة لشروط السلامة.
وبعد هذا التوصيف، يصبح الثابت أن الضحايا لم يسقطوا في حادث بعيد عن العمران، بل في عقار يضم سكنا ونشاطا صناعيا وتخزينا في نقطة واحدة.
هذا التداخل هو أول ما يجب توثيقه، لأن ستة قتلى وخمسة عشر مصابا سقطوا في مكان كان يفترض أن يخضع لرقابة تمنع تحول الدور الأرضي إلى مصدر تهديد مباشر لمن يعيشون فوقه ولمن يمرون بجواره.
الإخلاء ولجنة المعاينة الهندسية كشفا أن الخطر لم ينته بإخماد النار
نقلت الجهات المختصة الجثامين إلى ثلاجات حفظ الموتى في مستشفى المطرية ومستشفى منشية البكري تحت تصرف النيابة العامة، كما نُقل المصابون إلى المستشفيات لتلقي العلاج.
هذا المسار الطبي والقضائي بدأ متزامنا مع إخماد النيران، لأن آثار الحريق لم تتوقف عند اللهب نفسه.
النيابة أصبحت معنية بتحديد أسباب الحادث، فيما تحولت المستشفيات إلى الوجهة الأولى للتعامل مع نتائج الإهمال على أجساد الضحايا والمصابين.
ثم أمر محافظ القاهرة بإخلاء العقار المتضرر من السكان، وجرى انتداب لجنة هندسية لمعاينة المبنى وتحديد إمكان عودة السكان إليه. هذا القرار يوضح أن الحريق لم يترك وراءه أضرارا سطحية يمكن تجاوزها في ساعات.
القرار الرسمي نفسه أقر بأن سلامة المبنى أصبحت موضع شك، وأن بقاء السكان داخله لم يعد ممكنا قبل فحص هندسي مباشر يحدد حجم التأثر الذي أصاب العقار بعد الحريق.
وبسبب هذا القرار، امتد أثر الحادث من الضحايا المباشرين إلى الأسر التي خرجت من بيوتها بانتظار نتيجة المعاينة.
السكان لم يواجهوا فقط مشهد النار والدخان، بل وجدوا أنفسهم خارج منازلهم لأن الحريق الذي بدأ أسفلهم أصاب أساس الأمان داخل العقار كله.
هذا الامتداد الزمني والمكاني للخسارة يثبت أن الكارثة لم تكن حادثا محدودا في ورشة مغلقة، بل ضربة أصابت سكان المبنى على أكثر من مستوى.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور خالد حيزة أستاذ المنشآت المسلحة والكباري ووكيل كلية الهندسة بجامعة المنوفية الأسبق وعضو كود الحريق العالمي إن الأحمال الحرارية داخل المباني تزيد خطورة الحرائق، كما قال إن الإهمال يبقى سببا واردا عندما تغيب الاستعدادات المتخصصة والتدريب ووسائل الوقاية.
هذا الرأي يفسر لماذا جاء قرار المعاينة الهندسية ضروريا قبل أي حديث عن عودة السكان، لأن الحريق لا يحرق المحتويات فقط بل قد يترك أثرا على سلامة المنشأ نفسه.
الزيتون منطقة مزدحمة والخسائر تفتح ملف الرقابة على السلامة المهنية
تُعد منطقة الزيتون من المناطق ذات الكثافة السكانية في شرق القاهرة، كما تضم عددا كبيرا من الورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بقطاع الملابس الجاهزة.
هذا الواقع العمراني يجعل أي خلل في قواعد السلامة أكثر خطورة من المعتاد، لأن الخطر لا يبقى داخل موقع العمل.
النار عندما تبدأ في مثل هذا النسيج المتداخل تنتقل سريعا من مكان الإنتاج والتخزين إلى السكن والشارع والمحال المحيطة.
ولذلك لا ينحصر توثيق الحادث في ذكر عدد سيارات الإطفاء أو زمن السيطرة على اللهب، بل يمتد إلى السؤال المباشر عن كيفية استمرار نشاط صناعي وتخزيني داخل عقار سكني بهذه الكثافة.
أجهزة الدولة حضرت بعد البلاغ، وفصلت المرافق، وفرضت الطوق الأمني، وبدأت التبريد. لكن الكارثة نفسها تقول إن الرقابة السابقة على شروط السلامة لم تمنع وجود البيئة التي أنتجت هذا الخطر تحت بيوت الناس.
وفي صلب هذا الجانب، قال كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية إن حوادث العمل تتكرر في مصر من دون محاسبة كافية، وإن وزارة العمل يفترض أن تمارس رقابتها على تنفيذ القانون بدلا من الاكتفاء بالتصريحات.
هذا الموقف لا يخص حريق الزيتون وحده، لكنه يضع الواقعة ضمن سجل أوسع من حوادث يدفع فيها العامل والمواطن ثمن ضعف الرقابة على السلامة المهنية واشتراطات العمل.
ثم يثبت مسار الحادث كله أن جوهر الواقعة يبدأ بالضحايا والخسائر، وينتهي عند الإهمال الذي سمح بقيام مصنع ومخزن ملابس في الدور الأرضي لعقار سكني ثم ترك السكان يواجهون النار والدخان والإخلاء بعد ذلك.
وصلت الإطفاء والإسعاف واللجان عندما اندلع الحريق، لكن ستة أشخاص كانوا قد فقدوا حياتهم بالفعل، وكان خمسة عشر آخرون قد أصيبوا، وكانت أسر كاملة قد دخلت دائرة الخوف والتشريد المؤقت.
وأخيرا، لا يحتاج هذا الحريق إلى لغة زائدة حتى تتضح دلالته.
ستة قتلى وخمسة عشر مصابا سقطوا في عقار سكني لأن الخطر وُضع في أسفله ثم تُرك هناك.
هذا هو جوهر الحادث كما تكشفه الوقائع المتتابعة.
وإذا انتهى الملف بإجراءات معتادة من دون تحديد واضح للمسؤولية، فإن الحريق لن يبقى واقعة ماضية فقط، بل سيبقى دليلا جديدا على أن الإهمال يسبق النار في مثل هذه الكوارث، ثم يترك الضحايا وحدهم في الواجهة.

