بقلم/ دكتور عبد الله سيف
لم تكن المنطقة العربية يوماً مجرد جغرافيا على خارطة العالم، بل كانت دائماً قلب الحدث وصانعة التاريخ، لكنها اليوم تقف في ذهول أمام مشهد سريالي؛ حيث أضحت شعوبها العظيمة محاصرة بين فكي كماشة لا ترحم.
فمن جهة، ثمة "مطرقة" محلية أدمنت التوجس من مواطنيها، فاستبدلت لغة الحوار بهراوة الضبط، وتركت رعاية المصالح لتتفرغ لحراسة العروش. ومن جهة أخرى، برز "سندان" خارجي يتربص بالمقدرات، يبيع "وهم الحماية" ليقبض ثمنه من سيادة الأوطان وكرامة الإنسان.
إن المعضلة الكبرى لا تكمن في شح الموارد، بل في "فقدان الثقة البينية" التي نخرت عظام البيت العربي. لقد استقر في روع الأنظمة أن شعبها "خصمٌ" يجب احتواؤه، فاستجارت بالغرب والشرق، ظناً منها أن الأغراب أوفى عهداً من الأبناء. وما علموا أن "المظلات الخارجية" ليست إلا سحباً عابرة، تمطر حيث تشاء المصالح الدولية، وتنقشع حين تلوح في الأفق صفقةٌ أجدى، لتترك المرتهنين عراةً أمام عواصف التاريخ.
لقد تآكل العقد الاجتماعي، وتحولت الدولة من "أُمٍّ رؤوم" تحفز الإبداع وتكفل العيش، إلى "شرطيٍّ صارم" يحصي الأنفاس، فضاعت بوصلة التنمية في غياهب الميزانيات الأمنية، وهجرت العقول ديارها بحثاً عن سماءٍ لا تصادر الأحلام.
بيد أن الزمان لا يراوح مكانه، فالسنوات العجاف القادمة تحمل في طياتها رياحاً لا تُصد ، فالتقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي قد هتكا ستر "احتكار الحقيقة"، وأضحى الوعي الجمعي العربي عابراً للحدود والرقابة، كاشفاً زيف "الحماية الخارجية" ، ومع أزمات الديون الخانقة التي بدأت تئن تحت وطأتها الخزائن، لم يعد أمام الأنظمة بدٌّ من "الانكفاء للداخل"؛ فالسندان الخارجي لم يعد يمنح صكوك الغفران المالي بلا ثمن باهظ، والجوع لا يحمي هيبة السلطة.
إننا أمام مسارات ثلاثة لا رابع لها: أولا مسار الرماد وهو جمودٌ يورث انفجاراً، حيث يؤدي صمم الآذان عن أنين الشعوب إلى انهيار بنيوي يمزق الدولة الوطنية ويجعلها هباءً منثوراً. ثانيا مسار الوكالة وهو ارتهانٌ كليٌّ يحول الأوطان إلى "ضياعٍ إقليمية" تُدار بالوكالة لصالح القوى الطامعة، وتُغيب فيه إرادة الشعوب خلف ستائر التبعية ، ثالثا مسار البعث (هندسة السيادة) وهو الفجر الذي ننشده؛ مصالحة تاريخية كبرى تُرمم جسور الثقة، وتعتبر حرية المواطن ورفاهيته هي "الحصن الحصين" والدرع المتين ضد أطماع الغرباء.
إن الخروج من تيه "المطرقة والسندان" يتطلب "هندسة سيادية" شجاعة، تبدأ ببناء "كتلة حرجة" من عقول النخب الأكاديمية والفكرية، التي تضع "التكامل الوظيفي" فوق الخلافات السياسية ، فلا سيادة لمن يقتات على قمح غيره، ولا كرامة لمن يبرمج عقول أبنائه بخوارزميات غريبة.
إن توطين المعرفة، والارتقاء العلمي، والتحول إلى "أمن المجتمعات" هي الأعمدة التي ستحمل سقف البيت العربي الجديد.
ولنا في النهاية صرخة يقين: إن كلفة الانحياز للشعوب هي أرخص استراتيجيات البقاء، وأغلى تيجان الوقار ، وإن القوة الحقيقية لا تُستورد في صناديق السلاح، بل تُستنبت في صدور الأحرار وعقول العلماء.
وليعلم القاصي والداني أن أمن العروش يبدأ بكرامة الشعوب، وأن السيادة ليست هبةً تُمنح، بل هي ثمرةُ عِلمٍ يُوطن، وعدلٍ يُبسط، وثقةٍ تُستعاد. فهل من مدكر؟

