أقر البيت الأبيض خلال الأيام الأخيرة بخطاب مزدوج حيال الحرب على إيران، إذ أبلغ دونالد ترامب مساعديه أنه يريد تجنب الانزلاق إلى حرب بلا نهاية، وأنه يفضل مخرجا تفاوضيا يتيح لواشنطن إنهاء المواجهة بعد تحقيق أهدافها.
لكن هذا التوجه لم يلغ استمرار التحشيد العسكري، ولا أوقف الرسائل التي تبقي خيار التصعيد قائما في كل لحظة.
خطاب التهدئة لا يلغي منطق القوة
أوضح ترامب علنا أن إدارته لا تخطط لإرسال قوات برية إلى إيران، وقال في 20 مارس إنه لا يضع قوات في أي مكان الآن.
لكن هذا النفي لم يغلق الباب، لأن البيت الأبيض عاد وأكد أن الرئيس يحتفظ بكل الخيارات، العسكرية وغير العسكرية، في كل الأوقات.
وبذلك بدا خطاب التهدئة مشروطا بقدرة واشنطن على فرض شروطها لا بقرار ثابت بوقف التصعيد.
ولفتت تقارير أميركية إلى أن البنتاغون يجهز بالفعل خططا لأسابيع من العمليات البرية المحدودة داخل إيران إذا اختار ترامب المضي أبعد.
وقالت صحيفة “واشنطن بوست” إن الخطط المطروحة لا تتحدث عن غزو شامل، بل عن غارات تنفذها قوات خاصة ومشاة نظامية على أهداف ساحلية وجزر استراتيجية مثل جزيرة خارك قرب مضيق هرمز.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن تجهيز هذه الخطط لا يعني أن الرئيس اتخذ قرارا بالتنفيذ، بل يعني أن البنتاغون يوفر له أقصى مدى من الخيارات.
لكن مجرد وجود هذه الخطط، مع وصول آلاف الجنود ومشاة البحرية إلى المنطقة، يكشف أن الإدارة لا تدير فقط تفاوضا محتملا، بل تدير أيضا بنية تصعيد كاملة جاهزة للتحرك إذا تعثر المسار السياسي.
فانس يحدد هدفا محدودا ويستبعد البقاء الطويل
أشار نائب الرئيس جيه دي فانس إلى أن واشنطن لا تريد البقاء في إيران، وأن المهمة تقترب من نهايتها بعد تحقيق معظم أهدافها.
كما شدد في تصريحات سابقة منذ بداية الحرب على أن ترامب لا يريد جر الولايات المتحدة إلى صراع متعدد السنوات بلا نهاية واضحة.
وبذلك حاول فانس رسم سقف سياسي للحرب يطمئن الداخل الأميركي القلق من تكرار نماذج العراق وأفغانستان.
وفي موازاة ذلك، قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الحرب لن تكون طويلة، وإن واشنطن تستطيع تحقيق أهدافها من دون قوات برية.
ويبين هذا الموقف أن الفريق الحاكم يسعى إلى تثبيت رواية واحدة تقوم على أن المهمة محددة، وأن مدتها محسوبة، وأن القوة البرية ليست الخيار المفضل.
لكن هذه الرواية تبقى موضع اختبار ما دامت العمليات مستمرة والبدائل العسكرية جاهزة.
ويرى مايكل روبن، الباحث في شؤون إيران، أن التذبذب في تصريحات ترامب ليس خطأ عابرا فقط، بل جزء من أسلوب يربك الخصوم ويزيد الشك داخل دوائر الحكم في طهران.
لكن روبن حذر أيضا من أن هذا الأسلوب يخلق قدرا كبيرا من الغموض، لأن التفريق بين الضغط التفاوضي وبين القرار العسكري الفعلي يصبح أكثر صعوبة كلما توسعت التهديدات وتعددت الرسائل.
القيود السياسية والعسكرية تضغط على القرار الأميركي
أكدت استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة أن القبول بضربات جوية لا يعني قبولا بحرب برية.
فقد أظهر استطلاع لمركز “أسوشيتد برس نورك” أن 63 في المئة من الجمهوريين يؤيدون الضربات الجوية، لكن 20 في المئة فقط يؤيدون نشر قوات برية.
ولهذا، فإن ترامب يواجه ضغطا سياسيا واضحا إذا تحولت الحرب إلى احتلال أو إلى انتشار طويل على الأرض الإيرانية.
ولفت مسؤولون وخبراء عسكريون إلى أن أي توغل بري، حتى لو كان محدودا، سيعرض القوات الأميركية لطائرات مسيرة وصواريخ ونيران أرضية وعبوات ناسفة.
كما حذر مايكل أيزنشتات من أن السيطرة على مواقع مثل جزيرة خارك قد تكون أسهل من حمايتها بعد ذلك، لأن إيران تملك أدوات كافية لتحويل أي تمركز أميركي إلى عبء عسكري وسياسي مستمر.
وأشار ليون بانيتا، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، إلى أن الحروب تكشف بسرعة أزمة الصدق داخل السلطة، وأن الحقيقة غالبا ما تكون أول ضحاياها.
ويكتسب هذا التحذير وزنه الآن لأن الإدارة تتحدث في وقت واحد عن اقتراب نهاية الحرب، وعن بقاء كل الخيارات مطروحة، وعن تفاوض محتمل، بينما تواصل في الخلفية نقل قوات وإعداد مسارات تصعيد إضافية.
مخرج تفاوضي تحت ظل التصعيد
أوضحت التحركات الدبلوماسية الأخيرة أن واشنطن ما زالت تبحث عن باب تفاوضي، إذ برزت باكستان ومصر وتركيا ودول خليجية في مساعي الوساطة، كما تحدثت تقارير عن تفضيل إيراني لفانس أو لقنوات أقل استفزازا من بعض الوجوه المرتبطة بالمفاوضات السابقة.
لكن إيران ما زالت تنفي وجود مفاوضات مباشرة، وهو ما يجعل الحديث عن المخرج التفاوضي رهنا بوقف الشروط المتبادلة لا بتكرارها.
وأخيرا فالمواقف الأميركية تؤكد أن ترامب يريد الجمع بين أمرين متناقضين ظاهريا ومترابطين عمليا.
فهو يريد إقناع الداخل الأميركي بأنه لا يدفع البلاد إلى حرب بلا نهاية، وفي الوقت نفسه يريد إقناع طهران بأن رفض التفاوض سيبقي احتمالات الضرب والتوغل قائمة.
ولهذا، فإن جوهر الموقف الحالي ليس إنهاء الحرب بعد، بل إدارة نهايتها المحتملة من موقع التهديد لا من موقع التراجع.

