مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
تعد الولايات المتحدة واحدة من أبرز الدول التي تعرضت لخسائر جراء الحرب على إيران التي دخلت أسبوعها الثاني، لا أتحدث هنا عن أن الأيام الستة الأولى من الحرب على إيران كلفت موازنة الولايات المتحدة ما لا يقل عن 11.3 مليار دولار، وهو مبلغ زهيد مقارنة بحجم الموازنة الضخم حتى وإن زاد إلى 50 مليار دولار وربما أكثر وفق التقديرات الأميركية في حال طول أمد الحرب، ولا عن تعرض القواعد الأميركية في منطقة الخليج العربي والعراق والأردن لضربات صاروخية إيرانية أدت إلى تحويل بعض المعدات العسكرية والرادات البالغ قيمتها مليارات الدولارات إلى حطام وخردة.
ولا أتحدث عن انتقال الحرب من مجرد حرب خاطفة كما كان يريدها ترامب، على غرار معركة فنزويلا، إلى "حرب استنزاف" تقنية ولوجستية غير مسبوقة يصاحبها تنفيذ إيران ضربات صاروخية موجعة ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية، أو عن فشل ترامب في تحقيق أهدافه التي رسمها قبيل إشعال الحرب ومنها تدمير البرنامج النووي الإيراني، مع فشل الخطة الأميركية الإسرائيلية في إضعاف سلطة الدولة في إيران، وصمود الجيش الإيراني وعدم سقوط النظام، بل وتأكيد تقييم استخباراتي أميركي أن النظام ليس معرّضًا لخطر الانهيار، وأن الحرس الثوري والقادة المؤقتين الذين تولوا السلطة بعد اغتيال خامنئي ما زالوا يسيطرون على البلاد.
ولكن أتحدث هنا عن أمر أخر وهو تأثيرات الحرب المباشرة على الاقتصاد الأميركي خاصة من جهة إغلاق مضيق هرمز وفشل ترامب وقواته في إعادة فتحه أو حماية السفن العالمية المارة، وقفزات أسعار النفط والغاز الطبيعي وصدمة أسواق الطاقة، وفشل إدارة ترامب في التخفيف من حدة تلك الصدمة التي اربكت اقتصاد العالم وفي مقدمتها الاقتصادان الأميركي والأوروبي، وهو ما دفعه إلى الضغط على وكالة الطاقة الدولية لسحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية للدول الأعضاء للتخفيف من حدة أزمة الإمدادات، والتلويح بالسحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي رغم رفضه الشديد لتلك الخطوة في أوقات سابقة.
كما أتحدث عن تسبب الحرب في تغذية الضغوط على الخزانة الأميركية بعد قرار المحكمة العليا إلغاء الرسوم الجمركية، خاصة وأن هناك مخاوف من أن تتحول الحرب الدائرة إلى "ثقب أسود" يستنزف الميزانية الدفاعية الأميركية، وكذا عن فشل حلم ترامب بالسطو على ثروات ونفط ومعادن إيران، وتنامي التعقيدات التي تواجهها المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط والصادرات المتجهة للمنطقة في ظل زيادة المخاطر الجيوسياسية وأزمة الممرات المائية في المنطقة.
ومن بين المخاطر الناتجة عن حرب إيران أيضا عودة شبح التضخم للاقتصاد الأميركي وتعقد سلاسل التوريد العالمية، وقفزة أسعار بعض السلع ومنها الوقود، فأسعار البنزين قفزت 17% في العشرة أيام الأولى التي اعقبت الحرب مع إيران، وبلغت أعلى مستوى منذ عام 2024، وهذا الأمر الذي يربك البنك الفيدرالي وقد يدفع صانع السياسة النقدية إلى تأجيل قرار خفض سعر الفائدة، بل وربما زيادة السعر كما جرى عقب أزمة حرب أوكرانيا في 2022.
أيضا يضع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة ترامب أمام مأزق وتحدٍّ كبير قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، خاصة وأن خفض تكاليف الطاقة وسعر الفائدة وكلفة الأموال لقطاع الأعمال والصناعة وعلى بطاقات الائتمان كان ركيزة أساسية في وعوده الانتخابية.
ببساطة، الحرب الإيرانية أربكت ترامب وإدارته والبنك الفيدرالي وصانع السياسات المالية والاقتصادية، ونظرة للأسواق نجد أنه نجم عنها حدوث تقلبات كبيرة في أسعار الطاقة العالمية وتأثر حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما يزيد الأعباء المعيشية والعبء المالي على المواطن الأميركي وقطاع الإنتاج ومعدل النمو وتكلفة السلع الأساسية مثل الغذاء والأدوية، وهو أمر بالغ الحساسية لترامب وحزبه في هذا التوقيت.

