فرضَ اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران بعد مقتل علي خامنئي في ضربة إسرائيلية يوم 28/2/2026 واقعًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا على طهران والمنطقة. القرار صدر عبر مجلس خبراء القيادة، وجاء في لحظة حرب مفتوحة، لا في سياق انتقال هادئ للسلطة. لهذا لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً دستوريًا فقط. هو أيضًا رسالة حرب. ورسالة بقاء للنظام. ورسالة تحدٍ إلى واشنطن وتل أبيب.
القرار حسم سريعًا سؤال الخلافة، لكنه فتح أسئلة أكبر عن شرعية التوريث، وحدود نفوذ الحرس الثوري، ومصير الحرب نفسها. تقارير دولية متقاطعة قالت إن مجتبى، البالغ 56 عامًا، صعد بدعم واضح من المعسكر الأكثر تشددًا داخل الدولة، وخصوصًا الدوائر المرتبطة بالحرس الثوري، رغم أنه لم يشغل منصبًا حكوميًا رسميًا من قبل. هذا وحده يكفي لفهم أن إيران لم تختر وجهًا انتقاليًا يهدئ الجبهة، بل اختارت عنوانًا للاستمرار تحت النار.
انتقال تحت النار لا تسوية بعده
الطريقة التي جرى بها تثبيت مجتبى خامنئي تقول الكثير عن المرحلة المقبلة. فبحسب تقارير متواترة، عاد مجلس خبراء القيادة إلى الواجهة بعد مقتل علي خامنئي، باعتباره الجهة الدستورية المخولة باختيار المرشد، لكن السياق كله كان سياقًا أمنيًا وعسكريًا ضاغطًا. حتى التحليلات الغربية التي تابعت الملف رأت أن صعود مجتبى يعني أن مركز الثقل انتقل أكثر إلى المعسكر الأمني المحافظ، لا إلى تيار يبحث عن مخرج سياسي سريع من الحرب.
ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، قال لصحيفة نيويورك تايمز، ونقلته ABC، إن عودة اسم مجتبى إلى الصدارة بعد تراجعه من الواجهة خلال العامين الماضيين تعني أن “الجانب الأكثر تشددًا والقريب من الحرس الثوري هو الذي يمسك الآن بزمام النظام”. هذا التقدير لا يشرح فقط لماذا اختير مجتبى، بل يشرح أيضًا لماذا يبدو خيار التهدئة أضعف اليوم من أي وقت سابق.
الأثر المباشر على الحرب واضح. اختيار رجل ارتبط طويلًا بالحرس الثوري والباسيج، ودارت حوله لسنوات صورة “حارس بوابة” مكتب والده، يعني أن غرفة القرار لن تبتعد عن منطق التعبئة والرد الصلب. AP وصفت تعيينه بأنه جاء وسط حرب إقليمية تتوسع وأسعار نفط ترتفع ومخاوف من مزيد من التصعيد، بينما رأت فايننشال تايمز أن الاختيار نفسه إشارة إلى استمرار السياسات المتشددة لا مراجعتها.
المرحبون: الدولة العميقة حسمت مبكرًا
الترحيب الداخلي لم يكن تفصيلًا ثانويًا. كان جزءًا من عملية تثبيت السلطة. وسائل إعلام رسمية إيرانية وتقارير دولية رصدت مبايعات سريعة من مؤسسات الدولة، وخصوصًا الأذرع الأمنية والعسكرية، بما يعكس رغبة واضحة في إغلاق أي فراغ في مركز القرار. الجارديان وAP تحدثتا عن موجة ولاء داخلية بعد التعيين، وعن اعتبار الصعود دليل تماسك لا تراجع. هذا الاصطفاف لا يعني بالضرورة إجماعًا شعبيًا. لكنه يعني أن مؤسسات القوة حسمت موقفها بسرعة.
إريك ماندل، مدير “شبكة الشرق الأوسط للمعلومات السياسية”، قال في تصريح نقلته ABC إن مجتبى خامنئي “بنى على مدى سنوات روابط عميقة مع الحرس الثوري ورسخ نفوذًا داخل هيكل السلطة”، وإنه “يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد مهندسي القمع”. أهمية هذا التوصيف أنه يفسر لماذا جاء التأييد الأقوى من المؤسسات التي ترى في بقاء المنظومة الأمنية أولوية أعلى من أي مراجعة سياسية أو تفاوضية.
الترحيب الخارجي من حلفاء طهران سار في الاتجاه نفسه. تقارير عدة رصدت أن قوى وفصائل محسوبة على “محور المقاومة” قرأت الاختيار بوصفه ضمانة لاستمرار النهج السابق لا تغييره. هذا مهم لأن مسار الحرب لا يتحدد من طهران وحدها، بل من شبكة الحلفاء الإقليميين الذين ينتظرون من المرشد الجديد إشارات واضحة: هل يستمر منطق الاشتباك المفتوح، أم تُفتح نافذة تفاوض؟ حتى الآن، كل الإشارات تذهب في الاتجاه الأول.
لكن صحيفة معارضة يجب أن تقول ما لا تقوله البيانات الرسمية: هذا التماسك الظاهري ليس بالضرورة دليل قوة سياسية. هو أيضًا دليل خوف من الفراغ. النظام الذي يتعرض لضربة بهذا الحجم اختار أسرع حل يضمن بقاء مركز القيادة داخل الدائرة نفسها، حتى لو بدا الأمر أقرب إلى توريث صريح للسلطة في جمهورية قامت أصلًا ضد الملكية الوراثية.
المتحفظون والرافضون: أزمة شرعية واحتمال تصعيد
التحفظ داخل إيران لم يختف. AP والجارديان تحدثتا عن انتقادات داخلية لفكرة الانتقال العائلي، وعن تشبيه ما جرى بتوريث ملكي يتناقض مع سردية ثورة 1979. هذه النقطة ليست رمزية. هي تمس شرعية المنصب نفسه. مجتبى يحمل لقب “حجة الإسلام”، وهو أقل من رتبة “آية الله” التي ارتبطت تقليديًا بالمرشد الأعلى، كما أن كثيرًا من الإيرانيين لم يسمعوا له خطابًا عامًا أصلًا. هنا تبدأ مشكلة الشرعية الدينية، لا فقط السياسية.
كريم سجادبور، الباحث في كارنيغي، قال في مقابلة مع CBS بعد مقتل علي خامنئي إن السؤال داخل طهران لم يكن محسومًا أصلًا، وإنه يشك في إمكان ظهور شخصية مقبولة في آن واحد لدى كبار رجال الدين والحرس الثوري و”90 مليون إيراني”، مشيرًا إلى وجود فجوة كبيرة بين النظام والمجتمع. هذا التقدير يضرب قلب الرواية الرسمية عن “إجماع وطني”. فالسرعة في الحسم لا تلغي اتساع الهوة بين الدولة والناس.
أما الرفض الخارجي فكان أكثر صراحة. ترامب قال لموقع أكسيوس إن ابن خامنئي “غير مقبول”، فيما لوحت إسرائيل صراحة بأنها ستلاحق من يخلف علي خامنئي ومن يحاول تعيينه. هذا لا يجعل الحرب فقط مستمرة، بل يجعل المرشد الجديد نفسه جزءًا من بنك الأهداف السياسي والعسكري. بكلمات أخرى، اختيار مجتبى لم يغلق الأزمة. زاد شخصنتها. ورفع كلفة التراجع. لأن أي مرونة سريعة قد تُقرأ داخل النظام كضعف، وأي تشدد إضافي قد يدفع المنطقة إلى جولة أعنف.
وأخيرا فإن اختيار مجتبى خامنئي لم يكن مجرد خلافة. كان قرارًا بتجميد أي مراجعة كبرى داخل النظام خلال الحرب. المرحبون به رأوه ضمانة للاستمرار. المتحفظون رأوه تتويجًا لهيمنة الدولة الأمنية. والرافضون، في الداخل والخارج، رأوه انتقالًا عائليًا يفتقد الشرعية ويزيد احتمالات التصعيد. لهذا، فإن تأثيره الأهم على مسار الحرب ليس أنه سيغير قواعدها فورًا، بل أنه يجعل التراجع أصعب، والتسوية أبعد، ويضع إيران أمام قيادة تبدأ عهدها من قلب المواجهة لا من هامش السياسة.

