كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن الدول العربية، وخصوصًا الخليجية، هي الخاسر الأكبر من معركة لم تبدأها ولم تملك قرارها، لكنها تدفع ثمنها يوميًا في الاقتصاد والأمن والسيادة. الصواريخ والمسيرات الإيرانية لم تتجه إلى واشنطن. اتجهت إلى قواعد ومطارات وموانئ ومنشآت داخل دول عربية. وأسعار النفط والشحن والتأمين والطيران قفزت. والاستثمارات التي ضُخت في الاقتصاد الأمريكي، وصفقات السلاح والتكنولوجيا التي بيعت للخليج، لم تمنع استهداف أراضيه، ولم توفر حصانة حقيقية لبناه الحيوية. في الوقت نفسه، تواصل واشنطن إدارة الحرب وفق أولوياتها وأولويات إسرائيل، لا وفق كلفة ما تتحمله العواصم العربية.

 

المفارقة أن هذه الدول نفسها كانت قد قدمت للولايات المتحدة خلال 2025 حزمة تعهدات واستثمارات واتفاقات ضخمة. البيت الأبيض قال إن جولة ترامب الخليجية أفضت إلى أكثر من 2 تريليون دولار من الصفقات، بينها 600 مليار دولار تعهدات سعودية، و1.2 تريليون دولار تبادل اقتصادي مع قطر، و200 مليار دولار صفقات مع الإمارات. لكن حين اشتعلت الحرب، لم تتحول هذه الأرقام إلى مظلة حماية متكافئة. ما ظهر عمليًا هو أن المال العربي يدعم الاقتصاد الأمريكي، بينما الجغرافيا العربية تبقى ساحة مفتوحة للرد الإيراني والضغط العسكري الأمريكي في آن واحد.

 

اقتصاد يدفع الثمن قبل الجيوش

 

الأثر الاقتصادي كان مباشرًا وعنيفًا. النفط قفز إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، ووصل في بعض التعاملات إلى قرابة 120 دولارًا، مع تعطل الشحن عبر مضيق هرمز وتهديد إنتاج ونقل الطاقة في الخليج. تقارير دولية تحدثت عن خفض إنتاج في العراق والكويت والإمارات بسبب قيود التخزين والتصدير، وعن إعلان قوة قاهرة في البحرين بعد استهداف منشآت نفطية. هذه ليست أزمة سوق فقط. هذه ضربة لنموذج اقتصادي كامل بُني على الاستقرار والانفتاح واللوجستيات والسياحة والتمويل.

 

تشرح كارن إي. يونغ، من مركز سياسة الطاقة بجامعة كولومبيا، أن دول الخليج أصبحت أكثر هشاشة أمام هذا النوع من الحروب، ليس لأنها فقيرة، بل لأن نجاحها في التنويع جعلها أكثر اعتمادًا على الاستقرار الإقليمي وتدفقات الاستثمار والديون والائتمان. وتشير إلى أن متوسط نمو الناتج غير النفطي في الخليج بلغ 3.7% في 2024 و3.8% في 2025، وأن أي صدام أمريكي أو إسرائيلي مع إيران يضع هذا المسار كله تحت التهديد. الأهم في كلامها أن الخطر لا يقتصر على المنشآت النفطية، بل يشمل الممرات البحرية نفسها، حيث يمر عبر هرمز نحو 18 – 19.5 مليون برميل يوميًا، وهو ما يمثل نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا.

 

ولذلك لم تكن الخسارة عربية في بند الطاقة فقط. إغلاقات الأجواء وتعطل المطارات والرحلات ضربت قطاع الطيران والسياحة والخدمات، وهو أحد أعمدة “ما بعد النفط” الذي روّجت له الحكومات الخليجية لسنوات. تقارير عن إغلاق أو تقييد العمل في مطارات خليجية، وتعطل آلاف الرحلات، وضربات طالت مطارات وموانئ وخزانات وقود ومحطات تحلية، أظهرت كم أن الاقتصاد العربي صار يدفع كلفة حرب غيره على شكل تآكل في الثقة وارتفاع في التأمين وتباطؤ في الاستثمار.

 

سيادة منتهكة وأرض تحولت إلى ساحة رد

 

الخسارة الثانية لا تقل خطورة: السيادة. الجامعة العربية نفسها قالت في 28/2/2026 إن الهجمات الإيرانية على الإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن والسعودية تمثل “انتهاكًا صارخًا” لسيادة دول لم تشارك في الحرب. هذا الاعتراف مهم لأنه يكشف جوهر المأزق العربي. الدول العربية لم تكن صاحبة قرار الحرب، لكنها تحولت إلى ميدان لها بسبب وجود قواعد أمريكية ومنشآت حيوية مرتبطة بالبنية الأمنية التي تقودها واشنطن. النتيجة أن الأرض العربية عوقبت على حرب لم يقررها شعبها.

 

في هذا السياق، كتب أندرو ليبر من كارنيغي أن دول الخليج حاولت علنًا الابتعاد عن الدفع نحو الحرب، لكنها فشلت في تفادي كلفتها. ويوضح أن الإمارات والسعودية، رغم استضافتهما قوات أمريكية، لا مصلحة لهما في هجوم أمريكي على إيران، لأن الرد الإيراني يقع على منشآتهما ومدنهما. ويضيف نقطة أكثر إيلامًا: مواطنو الخليج سيتساءلون لماذا عليهم أن يتحملوا مخاطر استضافة القوات الأمريكية إذا كانت الولايات المتحدة “غير قادرة أو غير راغبة” في حمايتهم من الهجمات الإيرانية. هذا السؤال يضرب مباشرة رواية “الأمن مقابل التحالف” التي بُني عليها الحضور الأمريكي لعقود.

 

والأخطر أن الهجمات لم تبق في حدود القواعد. تقارير مفتوحة تحدثت عن استهدافات طالت البحرين والإمارات والكويت والسعودية وقطر وعُمان، شملت مطارات وموانئ ومنشآت مدنية وحيوية. وحتى إذا اعترضت الدفاعات جزءًا كبيرًا من المقذوفات، فإن مجرد وقوع هذه الدول كلها تحت النار في غضون أيام يعني أن السيادة العربية أصبحت مكشوفة، وأن القرار العسكري الأمريكي حين يُستخدم من أراضٍ عربية أو من فضائها وقواعده الممتدة فيها، يعرض هذه الدول تلقائيًا للرد، من دون أن يمنحها حق الاعتراض الفعلي أو الحماية الكاملة.

 

سلاح يُباع بمليارات وتفوق محفوظ لإسرائيل

 

الخسارة الثالثة تتعلق بطبيعة العلاقة نفسها مع واشنطن. الولايات المتحدة تبيع السلاح والتكنولوجيا للخليج، لكنها في الوقت نفسه تلتزم قانونيًا وسياسيًا بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل على أي طرف إقليمي آخر. هذا المبدأ يعني ببساطة أن السقف التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي يظل محميًا أمريكيًا حتى لو وُقعت صفقات كبيرة مع دول عربية. لذا ففكرة أن المال العربي يشتري أمنًا مساويًا أو قدرة مماثلة لما لدى إسرائيل ليست صحيحة أصلًا في بنية السياسة الأمريكية.

 

يشرح ديفيد بي. روبرتس من معهد دول الخليج العربية في واشنطن أن القلق الحقيقي في الخليج اليوم ليس تكتيكيًا فقط، بل “هيكلي”. دول الخليج أنفقت مئات المليارات كي تقدم نفسها كمراكز آمنة للمال والسياحة والخدمات والصناعة المتقدمة. لكن سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة، حتى مع نسب اعتراض مرتفعة، يكسر “علاوة الاستقرار” التي بنت عليها هذه الدول نموذجها الاقتصادي. ويضيف أن الخطر ليس فقط في الكلفة العسكرية، بل في إعادة تسعير المخاطر: تأمين أعلى، شحن أعلى، هوامش ديون أوسع، وكلفة أكبر لجذب رأس المال والبشر. هذا هو الثمن الذي لا تعوضه بطاريات دفاع ولا بيانات أمريكية مطمئنة.

 

الخلاصة أن الدول العربية لم تربح من هذه الحرب سوى مزيد من التعرض والانكشاف. اقتصادها يدفع عبر النفط والطيران والشحن والاستثمار. سيادتها تُنتهك حين تتحول قواعدها وأجواؤها إلى جزء من معركة لا تتحكم فيها. وتحالفها مع واشنطن يثبت مرة أخرى أنه يضمن أولًا المصالح الأمريكية والتفوق الإسرائيلي، لا الأمن العربي المتكافئ. لهذا لا تبدو المشكلة في هذه الحرب عسكرية فقط، بل سياسية أيضًا: العالم العربي يموّل، ويشتري، ويستضيف، ثم يكتشف عند أول اختبار أن الفاتورة عليه، أما القرار فليس له.