يرصد التقرير الذي أعدّه فريق التحرير في مدى مصر كيف تدفع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى الاقتصاد المصري إلى دائرة ضغط جديدة، في وقت لا يزال يعاني فيه اختلالات هيكلية واعتمادًا كبيرًا على تدفقات الأموال الساخنة والغاز الإسرائيلي. يكشف الطرح أن تواجه القاهرة صدمة مزدوجة: اضطراب في إمدادات الطاقة، وخروج سريع لرؤوس الأموال الأجنبية.

 

ينشر موقع مدى مصر هذا التقرير في سياق تصاعد الضربات المتبادلة في المنطقة، ويشير إلى أن يتوقف حجم التداعيات الاقتصادية على مدة استمرار الحرب. كلما طال أمد المواجهة، زاد الضغط على احتياطي النقد الأجنبي واتسعت فجوة التمويل، خاصة مع حساسية سوق الصرف تجاه أي توترات خارجية.

 

صدمة الغاز وحدود البدائل

 

أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر خلال الساعات الأولى من العملية العسكرية، بعد أن أغلقت وزارة الطاقة الإسرائيلية حقولًا رئيسية، بينها حقل ليفياثان الذي يمد مصر بجزء معتبر من احتياجاتها. يعتمد الاستهلاك المحلي بنسبة تراوح بين 15 و20 في المئة على الغاز الإسرائيلي، ما يجعل أي انقطاع مفاجئ مصدر قلق مباشر لشبكة الكهرباء.

 

عوضت الحكومة النقص عبر زيادة استخدام المازوت في توليد الكهرباء إلى نحو 28 ألف طن يوميًا. غير أن محطات الكهرباء لا تستطيع حرق أكثر من 35 ألف طن يوميًا، وهو ما يمثل قرابة ربع إجمالي الإنتاج، ما يضع سقفًا واضحًا لهذا البديل.

 

تسعى الدولة إلى تسريع الاستفادة من شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تعاقدت عليها سابقًا لتغطية ذروة الاستهلاك الصيفي. شغّلت مصر ثلاث وحدات لإعادة التغويز في موانئ العين السخنة ودمياط لاستقبال ناقلات الغاز. أبرمت الحكومة صفقة بقيمة أربعة مليارات دولار لاستيراد 80 شحنة من الولايات المتحدة، ثم اتفاقًا آخر مع قطر لتوريد 24 شحنة. رغم ذلك، لا تكفي هذه الكميات لتغطية احتياجات عام 2026 بالكامل، ما يدفع الحكومة إلى التحضير لطرح مناقصة جديدة لاستيراد 75 شحنة إضافية.

 

انتظرت ثلاث ناقلات غاز قبالة الموانئ المصرية، لكن يتوقع أن تستهلك الشحنات بوتيرة أسرع من المعتاد بسبب العجز المفاجئ. إذا استمر توقف الإمدادات لأكثر من يومين، قد تضطر الحكومة إلى خفض الغاز المخصص للمصانع، كما حدث خلال توترات سابقة.

 

تلوح أيضًا مخاطر أوسع إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية. دفعت التوترات بعض شركات الشحن إلى تجنب المرور، ما قد يؤثر في شحنات الغاز القادمة من قطر. في حال تعثر هذه الشحنات، قد تعوض السعودية النقص عبر توجيه مزيد من شحنات المازوت إلى مصر.

 

ضغوط على الحساب الجاري وسوق الصرف

 

تتزامن أزمة الطاقة مع نزيف في تدفقات الأموال الساخنة، وهي استثمارات أجنبية في أدوات الدين الحكومي تعتمد عليها مصر لتمويل عجز ميزان المدفوعات. خرج نحو 1.4 مليار دولار خلال ثمانية أيام، وتجاوزت التدفقات الخارجة مليار دولار في يوم واحد، وفق تقديرات محللين ماليين.

 

تعكس هذه التحركات حساسية السوق تجاه الصدمات الجيوسياسية. شهدت مصر في 2022 خروج نحو 22 مليار دولار بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ما أدى إلى تخفيضات متتالية في قيمة الجنيه وارتفاع حاد في التضخم. يتحرك سعر الصرف حاليًا بمرونة أكبر، لكن تراجع الجنيه من 46.7 إلى 48.8 مقابل الدولار خلال أسابيع قليلة، مع توقعات بوصوله إلى ما بين 51 و52 إذا استمرت الضغوط.

 

يرتفع كذلك ما يعرف بـ"دولار الذهب"، وهو السعر الذي يستخدمه تجار الذهب لتسعير المعدن وفق السعر العالمي، ليعكس توقعات السوق بشأن قيمة العملة. في الوقت ذاته، قد ترفع الحرب فاتورة الواردات المقومة بالدولار، سواء بسبب زيادة أسعار النفط والغاز عالميًا أو بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

 

قناة السويس تحت التهديد

 

لا تقف المخاطر عند الطاقة والعملات. تهدد التحولات في مسارات الشحن إيرادات قناة السويس، التي تعتمد أساسًا على رسوم العبور. أعلنت شركات كبرى مثل ميرسك تعليق عبورها القناة ومضيق باب المندب بسبب تصاعد التوترات، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

 

تكبدت مصر سابقًا خسائر قُدرت بنحو سبعة مليارات دولار في عام واحد نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، مع خسائر شهرية قاربت 800 مليون دولار. إذا تكررت هذه السيناريوهات بالتوازي مع اضطراب مضيق هرمز، قد تواجه القناة ضغوطًا إضافية، ما يفاقم عجز الحساب الجاري.

 

تضع هذه التطورات الاقتصاد المصري أمام اختبار جديد. يعتمد مدى الصمود على سرعة احتواء الحرب، وقدرة الحكومة على إدارة الطاقة والعملة والاحتياطيات في وقت واحد. كل يوم إضافي من التصعيد يضيف كلفة مباشرة وغير مباشرة، ويعيد طرح السؤال حول هشاشة نموذج اقتصادي يقوم على التمويل الخارجي وتقلبات الإقليم.

 

www.madamasr.com/en/2026/03/01/news/u/egypt-eyes-energy-cuts-to-industry-braces-for-currency-value-dip-as-economy-absorbs-shock-of-us-israeli-war-on-iran/