أثار المستشار وليد شرابي عاصفة سياسية بتعليق مباشر على موجة اغتيالات قادة في إيران، معتبرًا أن تكرار الحوادث “لا يدع مجالًا للشك” في وجود عميل داخل الدائرة الأولى من القيادة العسكرية الإيرانية، بقي في موقعه منذ مقتل قاسم سليماني وحتى الآن دون كشفه. ويقارن شرابي بين طهران والقاهرة بعبارة لاذعة: “أما في مصر فالأمر مختلف.. فقد اكتشفوه ثم عينوه رئيسًا”. التعليق فتح بابًا واسعًا للجدل حول مفهوم الاختراق الأمني وحدود المساءلة السياسية في المنطقة.
حوادث إغتـ. ـيالات القادة في إيـ. ـران لا تدع مجالاً للشك أن النظام الإيـ. ـراني مخترق بعميل في الدائرة الأولى من قياداته العسكرية وقد نجح في البقاء في منصبه منذ مقتل قاسـ. ـم سليماني وحتى الآن دون أن يكشف .
— Waleed Sharaby (@waleedsharaby) March 1, 2026
أما في مصر فالأمر مختلف
فقد إكتشفوه ثم عينوه رئيساً !!!
التغريدة جاءت في سياق تصاعد الحديث عن اختراقات أمنية داخل إيران بعد سلسلة ضربات استهدفت قيادات بارزة. الربط بين الاغتيالات والاختراق الداخلي ليس جديدًا. لكنه هذه المرة يحمل اتهامًا صريحًا بوجود ثغرة مستمرة في قمة هرم القرار العسكري الإيراني. في المقابل، المقارنة مع الحالة المصرية تذهب إلى مساحة سياسية داخلية حساسة، تتعلق بطبيعة المساءلة والشفافية.
اختراق الدائرة الأولى.. فرضية أم واقع يتراكم؟
حوادث الاغتيال المتكررة في إيران، سواء طالت قيادات بالحرس الثوري أو شخصيات أمنية بارزة، أعادت طرح سؤال جوهري: كيف تصل الضربات إلى هذا العمق؟ فرضية الاختراق الداخلي تبدو منطقية للبعض. لأن دقة الاستهداف وتزامنه تشير إلى معلومات استخبارية متقدمة.
يرى علي فايز، مدير مشروع إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن الحديث عن “عميل واحد” قد يكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. ويؤكد أن الاختراقات الاستخبارية غالبًا ما تكون شبكة متعددة الطبقات، لا شخصًا واحدًا في قمة الهرم. لكنه يقر بأن تكرار الضربات يضع الأجهزة الأمنية الإيرانية تحت ضغط غير مسبوق.
فايز يشير إلى أن بقاء ثغرة دون معالجة لسنوات، إن صحّ ذلك، يعكس أزمة في منظومة التدقيق الداخلي. لأن الأجهزة الأمنية في الدول ذات الطابع المغلق تعتمد على رقابة صارمة لمنع تسرب المعلومات الحساسة. استمرار الاغتيالات يعني أن آليات الحماية لم تكن كافية.
المقارنة مع مصر.. رسالة سياسية تتجاوز الملف الإيراني
الشق الثاني من تعليق شرابي يتجاوز إيران إلى الداخل المصري. العبارة التي تقول إن “اكتشاف العميل انتهى بتعيينه رئيسًا” تحمل دلالة سياسية واضحة. هي ليست تحليلًا أمنيًا بل اتهامًا ضمنيًا بغياب المحاسبة، وربما بترقية من يفترض أنهم محل مساءلة.
يقول عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية، إن المقارنة بين سياقين مختلفين قد تكون أداة نقد سياسي أكثر منها تحليلًا مؤسسيًا. لكنه يضيف أن النقطة الجوهرية في مثل هذه التصريحات تتعلق بمدى وجود آليات رقابة ومساءلة حقيقية داخل الدولة. فالدول التي تفتقر إلى الشفافية يصعب فيها التحقق من الاتهامات أو نفيها بشكل مقنع.
حمزاوي يرى أن الخطاب السياسي المعارض يميل إلى استخدام أمثلة خارجية لإسقاطها على الداخل، بهدف إبراز ما يعتبره خللًا بنيويًا في إدارة السلطة. لكن المشكلة تبقى في غياب المعلومات الرسمية الدقيقة التي تتيح نقاشًا موضوعيًا بدل الاتهامات المتبادلة.
الاغتيالات كأداة ضغط.. أثرها على صورة الدولة
من زاوية أمنية، تكرار استهداف قيادات عليا في أي دولة يضرب صورتها الردعية. لأن الردع يقوم على فرضية أن مراكز القرار محمية بإحكام. عندما تتكرر الضربات، تتآكل هذه الفرضية.
يقول مايكل نايتس، الباحث في شؤون الأمن الإقليمي، إن الاغتيالات الدقيقة غالبًا ما تكون نتيجة تداخل استخباري وتقني معقد، يشمل مراقبة إلكترونية واختراقات بشرية. ويرى أن أي نظام يتعرض لمثل هذه الضربات يواجه خيارين: إغلاق داخلي شديد يعطل مؤسساته، أو إعادة هيكلة سريعة لاستعادة الثقة.
نايتس يضيف أن الحديث عن “عميل في الدائرة الأولى” يظل احتمالًا قائمًا، لكنه ليس التفسير الوحيد. أحيانًا تكون الثغرات في الطبقات الوسطى من الجهاز الأمني، وليس في القمة مباشرة. غير أن الرأي العام يميل إلى تفسير الاختراقات الكبرى بوجود خيانة من أعلى.
بين الاتهام والبرهان.. أزمة الثقة
تصريح شرابي يعكس أزمة ثقة أوسع. في إيران، الشك في الاختراق يعكس قلقًا من عمق النفوذ الاستخباري الخارجي. وفي مصر، المقارنة تشير إلى اتهام بغياب المحاسبة. في الحالتين، المسألة ليست أمنية فقط، بل سياسية.
غياب الشفافية يغذي الروايات البديلة. عندما لا تُعلن نتائج تحقيقات واضحة في حوادث كبيرة، يملأ الفراغ خطاب سياسي حاد. هذا ما حدث بعد اغتيال قاسم سليماني في يناير 2020، وهذا ما يتكرر اليوم مع أي استهداف جديد.
النتيجة أن الاغتيالات لم تعد حدثًا عسكريًا فقط. بل تحولت إلى ساحة صراع سرديات. كل طرف يقرأها وفق موقفه السياسي. البعض يراها دليل اختراق. والبعض يراها نتيجة تفوق تقني خارجي. لكن المؤكد أن استمرارها يضعف صورة الدولة المستهدفة، ويمنح خصومها ورقة دعائية قوية.
في النهاية، ما قاله وليد شرابي ليس مجرد تعليق على منصة اجتماعية. هو انعكاس لحالة استقطاب سياسي حاد، يتغذى على أحداث إقليمية ويعيد توجيهها نحو الداخل. وبين الاتهام والبرهان، تبقى الحقيقة رهينة معلومات لا تتوافر للرأي العام بسهولة.

