أثارت تصريحات الإعلامي محمد الباز عن «آيات قرآنية ابنة زمانها» وإشاراته الإيجابية إلى البهائية، وقبلها حديث إبراهيم عيسى عن صيام رمضان بأنه «مؤذٍ للنفس» و«أمر سيادي فقط»، موجة واسعة من الجدل حول حدود الكلام في الدين تحت حكم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

ويرى خبراء ومراقبون أن ما يجري على الشاشات يكشف مساحة واسعة للعبث بالثوابت، مقابل تشدد بالغ تجاه أي نقد مباشر للنظام تصل عقوبته إلى السجن لسنوات وربما الإعدام.

 

محمد الباز.. «آيات ابنة زمانها» والبهائية وختم النبوة

 

البداية كانت مع محمد الباز، الذي نُسب إليه في إحدى الحلقات قوله إن «بعض الآيات القرآنية ابنة زمانها ولا يصح أن تمتد أحكامها إلى عصور أخرى»، مع حديث عن أن الوحي لم ينقطع تمامًا بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتناول للبهائية بلهجة رآها كثيرون تزيينًا أو ترويجًا لها. هذه العبارات وضعت الرجل في قلب عاصفة دينية وإعلامية حول صلاحية النص القرآني وختم النبوة وحدود «التنوير» المسموح به على القنوات القريبة من السلطة.

 

الدكتور مصطفى جاويش تساءل في تغريدة عن «أين الأزهر من هرطقة محمد الباز حول الإسلام ونبي الإسلام والقرآن الكريم؟»، معتبرًا أن الصمت المؤسسي أمام هذه التصريحات يخلق انطباعًا بأن هناك «حصانة إعلامية» تُمنح لشخصيات بعينها ما دامت قريبة من النظام، حتى لو تجاوزت في قضايا عقدية حساسة كانت كافية سابقًا لفتح تحقيقات بتهمة ازدراء الأديان ضد كتاب وشباب أقل حضورًا في الإعلام.

 

 

الكاتب منير الخطير رأى من جانبه أن استدعاء الباز للحديث عن الدين يعكس «قلة المشايخ في مصر»، وقال إن الأزهر «جاب محمد الباز يتكلم عن الدين علشان يطلع دين أبونا كلنا»، في تعبير غاضب عن شعور بأن المنابر الدينية تُستبدل تدريجيًا بمنابر إعلامية، وأن الخطاب العقدي يُدار من الاستوديو لا من المؤسسات العلمية المتخصصة.

 

 

الداعية حاتم الحويني اعتبر أن كلام الباز عن الآيات «ابنة زمانها» يطعن في أحكام القرآن باسم التنوير والمعاصرة، محذرًا من أن هذا المنطق يفتح الباب لتعطيل النصوص القطعية كلما تعارضت مع خيارات سياسية أو ثقافية معاصرة، وأن استخدام مفردات «التحديث» لا يغيّر من حقيقة المساس بثوابت الاعتقاد التي أجمع عليها علماء الأمة.

 

 

الشيخ عصام تليمة طرح سؤالًا مباشرًا: «هل اعتنق محمد الباز البهائية؟»، وربط إشادته بها بما وصفه بـ«مشروع إماراتي» لترويج هذه العقيدة في المنطقة، ثم لفت إلى مفارقة لافتة؛ عندما صدر كلام مسيء عن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من منتسب للسلفية، تحركت تيارات صوفية وتلاميذ الشيخ علي جمعة بقوة، بينما لم تُبدِ الحماسة نفسها تجاه حديث الباز عن استمرار الوحي وثوابت أخطر من قضية أبوي النبي، مرجعًا ذلك إلى قربه من السلطة ودعم بعض الدول الخليجية له.

 

 

الشيخ سلامة عبد القوي أصدر «بيانًا شرعيًا في حكم البهائية التي يدعو لها محمد الباز وواجب الأزهر والإفتاء والأوقاف»، أوضح فيه أن البهائية حركة دينية تنكر ختم النبوة وتستبدل أركان الإسلام بأحكام جديدة، وأن من اعتقد برسالة لاحقة للنبي محمد فقد خالف نصًا قطعيًا وإجماعًا ممتدًا، محذرًا من تزيين هذه العقيدة أو تقديمها كخيار داخل الإسلام، ومطالبًا المؤسسات الرسمية ببيان واضح يحمي عقيدة العامة من «التشويش والتلبيس».

 

 

وفي تغريدة أخرى وصف عبد القوي محمد الباز بأنه «التافه الرويبضة»، وسأل إن كان يحمل «شيئًا» على شيخ الأزهر ودار الإفتاء والأوقاف، مستنكرًا عدم صدور بيان يرد على القول بعدم صلاحية القرآن لكل زمان ومكان، واعتبر هذا القول «كفرًا صريحًا»، متسائلًا كيف كان سيكون رد الفعل لو أن الكلام نفسه صدر عن أحد قيادات الإخوان أو أي شخصية معارضة للنظام.

 

 

الإعلامي محمد ناصر خصص حلقة بعنوان «الطريق إلى الإلحاد.. القصة الكاملة لأزمة تصريحات محمد الباز»، رأى فيها أن ما يُقدَّم على أنه تجديد للخطاب الديني يمهد عمليًا للتشكيك في أصول الإسلام، ويخدم – في رأيه – توجّهًا سياسيًا يريد إضعاف المرجعية الدينية للمجتمع، بينما تبقى خطوط السياسة الحمراء، خصوصًا ما يتعلق بالسيسي والجيش، محمية بسيف القوانين الاستثنائية وأحكام السجن والإعدام.

 

 

رجل الأعمال علاء مبارك دخل بدوره على خط الأزمة، وانتقد حديث الباز عن أن الوحي لم ينقطع بعد النبي، مؤكدًا أن ختم النبوة أصل عقدي لا يدخل في باب الاجتهاد، وأن استخدام منابر الدولة الإعلامية لطرح عكس ذلك يفتح بابًا خطيرًا على مستوى الوعي الديني العام، حتى في أوساط بعيدة عن الإسلاميين أو المعارضة السياسية.

 

 

الناشط إسماعيل حسني علّق على هذا السجال بوصف مصر بأنها أصبحت «مرتعًا للجهلاء والسفهاء»، واعتبر هنيدي «أراجوزًا يتطاول على المفكر إبراهيم عيسى»، في إشارة إلى أن النقاش انحرف من نقد مضمون كلام عيسى عن الصيام إلى تراشق بين فنانين ومعلقين، بينما تبقى القضية الجوهرية متعلقة بطريقة تناول أركان الإسلام في الإعلام، ومن يملك حق الكلام باسم «العقل» أو «التنوير».

 

 

الناشطة نسرين نعيم انضمت للنقاش بتغريدة ربطت فيها بين كلام عيسى والآية القرآنية «والخيل والبغال والحمير لتركبوها»، مضيفة أن هذه الكائنات «مش لتناقشوها ولا تاخدوا منها معلومة»، في تلميح لاذع إلى أن من يتحدث عن حكمة الصيام دون علم شرعي أو تخصص علمي يتحول إلى مثال على «الحمق» لا على التجديد، خاصة عندما يكون الظهور من خلال منصات إعلامية محسوبة على الدولة.

 

 

رمضان بين إبراهيم عيسى وهنيدي.. صيام «مؤذٍ للنفس» وردود غاضبة

 

إبراهيم عيسى ظهر في مقطع متداول يتحدث عن صيام رمضان باعتباره عبادة «بحث كثيرًا في حكمتها» ولم يجد لها تفسيرًا مقنعًا، ووصف خطب العلماء عن فوائد الصيام الصحية والنفسية بأنها مجرد إنشاء، ثم قال إن العلم يثبت أن الصيام مرهق للجسد، وأن رمضان شهر كاشف للفوارق الطبقية والاجتماعية، قبل أن ينتهي إلى أن الصوم «أمر سيادي من الله» بلا حكمة مفهومة للبشر، وهو توصيف رآه كثيرون تشكيكًا في مقاصد العبادة نفسها لا مجرد نقد للخطاب الوعظي التقليدي.

 

الممثل محمد هنيدي علّق بشكل ساخر في منشور واسع التداول، متسائلًا: «مين قالك إن الصيام اتكتب على الإلهام؟» في إشارة لرفض ما قاله عيسى، ومذكرًا بأن الصيام فرض بنص قرآني صريح، وأن من لا يلتزم به «يصوم عن الكلام»، على حد تعبيره.

هذا الرد جلب بدوره انتقادات؛ إذ رأى الناشط إسماعيل حسني أن البلد تحولت إلى «مرتع للجهلاء والسفهاء»، واعتبر هنيدي «أراجوزًا يتطاول على المفكر إبراهيم عيسى»، في مشهد يعكس انقسامًا حتى داخل معارضي خطاب عيسى بين من يهاجم مضمونه ومن يرفض أسلوب السخرية الفنية.

 

 

دين السلطة وحدود الكلام.. جدل مفتوح في العقيدة ومغلق في السياسة

 

يرى عدد من الخبراء والمراقبين أن القاسم المشترك بين أزمات محمد الباز وإبراهيم عيسى هو أن النظام يفتح الباب أمام خطاب ديني صادم، يصل إلى حد التشكيك في صلاحية القرآن لكل زمان ومكان أو حكمة صيام رمضان، بينما يظل المجال السياسي مغلقًا أمام أي نقد لسياسات السيسي أو دور المؤسسة العسكرية، حيث تحضر الاتهامات الجاهزة بـ«نشر الأخبار الكاذبة» و«الانضمام إلى جماعة إرهابية» وأحكام السجن والإعدام.

 

في هذا السياق تُقرأ العبارات الغاضبة التي تقول إن «هذا هو الدين الذي يريده السيسي»، أي دين يسمح بتفكيك الثوابت على شاشات التوك شو تحت لافتة التنوير، ولا يسمح في المقابل بفتح ملف العدالة الاجتماعية أو انتهاكات حقوق الإنسان أو أداء الحكومة الاقتصادي

وبينما تتوالى حلقات النقاش حول البهائية والصيام وختم النبوة، يبقى السؤال الأوسع مطروحًا: من يحدد حدود الكلام في الدين، ولماذا يبدو النقاش في العقيدة أوسع من النقاش في السياسة، في بلد يدفع فيه الناس ثمن تغريدة أو منشور نقدي أحكامًا قد تصل إلى السجن الطويل أو حتى الإعدام؟