أثار تعليق الإعلامي المقرب من السلطة أحمد موسى عن الحزمة الاجتماعية الجديدة بقيمة 40 مليار جنيه قبل رمضان موجة واسعة من السخط والسخرية على منصات التواصل، بعد حديثه عن أن «ربنا كرمنا بـ40 مليار» وأن هذه الأموال «ما راحتش للطرق والكباري راحوا للناس»، معتبرًا أن الدولة «بدأت تندع» للمواطنين استجابة لتوجيهات الرئيس، في وقت يرى فيه كثير من المعلقين أن 400 جنيه دعم إضافي لا يتجاوز ثمن كيلو لحم واحد، ولا يتناسب مع حجم التضخم وغلاء الأسعار والإنفاق السابق على المشروعات الكبرى، وأن دور موسى في الخطاب الإعلامي أقرب إلى التبرير والتطبيل منه إلى نقل هموم المواطنين بموضوعية.

 

خطاب أحمد موسى: «ربنا كرمنا بـ40 مليار» وتقديم الحزمة كمنحة استثنائية

 

في المقطع المتداول، يقدّم أحمد موسى نفسه كناقل لـ«صوت المواطن» الذي يسأل عن الرواتب والمعاشات والأسعار، قبل أن ينتقل سريعًا للدفاع عن الحكومة عبر الحديث عن بدء الدولة في «الندع» بعد توجيهات الرئيس بحزمة اجتماعية استثنائية قيمتها الإجمالية أكثر من 40 مليار جنيه، ويؤكد أن هذه الأموال لم تُوجّه هذه المرة إلى الطرق والكباري، بل ذهبت مباشرة إلى «الناس»، في محاولة لإبراز القرار كتحول في الأولويات لصالح الفئات الأكثر تضررًا من الغلاء، مع استخدام لغة دينية وشعبية مثل «لما ربنا كرمنا» و«يا شعب حضراتكم تعبتوا» لتغليف الحزمة بخطاب عاطفي يربط الدعم برضا إلهي و«كرم رئاسي».

 

 

هذا الخطاب دفع الطبيب والكاتب د. مصطفى جاويش للتعليق ساخرًا من منطق الرسالة، متسائلًا إن كان أحمد موسى يقصد ضمنًا أن الطرق والكباري «مالهاش لازمة» وأن الناس أهم، في إشارة إلى التناقض بين تبرير الإنفاق الضخم على البنية التحتية لسنوات باعتباره أولوية مطلقة، ثم تقديم توجيه جزء من الأموال إلى دعم نقدي محدود على أنه «فتح اقتصادي» ونجاح غير مسبوق، بينما يعيش المواطن تحت ضغط أسعار متصاعدة ودخول متآكلة لا يغطيها دعم موسمي.
 

 

أرقام الحزمة بين رواية «النعمة» وتساؤلات الشارع عن الكيلو والفرخة

 

ردود الفعل على تفاصيل الحزمة جاءت حادة؛ فالمغرد بلال ركز على رقم الـ400 جنيه، متسائلًا عن جدوى هذا المبلغ في ظل الأسعار الحالية، ومعتبرًا أنه أقل من ثمن كيلو لحمة واحد، ومعلنًا أنه لن يصدق وعود الصرف إلا حين يرى بنفسه طوابير المواطنين وهم يتسلمون الأموال على الأرض، قبل أن يختم بسؤال مباشر «فين الفلوس؟» الذي يلخص شكوك قطاع واسع في آليات التنفيذ والشفافية، رغم إقراره بأن أي مبلغ إضافي، ولو كان محدودًا، يبقى في نظره «خير وبركة» لا ينفي ضآلة القيمة أمام احتياجات أسرة متوسطة خلال شهر كامل.

 

 

تفاعل آخرون مع خطاب موسى من زاوية السخرية المرة، مثل فريد شعبان الذي وصف الحزمة بأنها «إعانة كيلو لحمة لكل موظف في رمضان وصينية كحك في العيد»، مع إشارة حادة إلى «الجنرال» باعتباره المستفيد سياسيا من توزيع هذا النوع من المنح الرمزية على موظفي الدولة، في ظل سياق عام يشهد بيع أصول وشركات مملوكة للدولة لسد فجوات تمويلية، ما يجعل الدعم أشبه برشوة اجتماعية صغيرة لإسكات النقد وامتصاص الغضب الشعبي في موسم حساس مثل رمضان والعيد، دون معالجة جذرية لأسباب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

 

 

ويذهب مغرد آخر يُدعى أحمد إلى تبسيط الصورة بقسوة حين يختصر أثر الـ400 جنيه في أنها ربما تساعد رب الأسرة على شراء «فرخة في رمضان لعياله»، قبل أن ينهي تعليقه بسباب حاد يعكس شعورًا عميقًا بالقهر والاستفزاز من طريقة تقديم الحزمة، وكأن الدولة تمنّ على المواطنين بمنح استثنائية، بينما يعيشون نتيجة سياساتها في ظل غلاء غير مسبوق وانهيار لقيمة العملة المحلية يتجاوز بكثير ما يمكن لمثل هذه المساندات المحدودة أن تعالجه أو تخفف آثاره اليومية على غذاء أسر واسعة.
 

 

عدالة اجتماعية مشوهة: 70 مليون في القاع و«ترف» المشروعات الكبرى

 

من الزاوية الاجتماعية، لفتت المغردة بشرى إلى دلالة الأرقام التي يروّج لها الإعلام الرسمي نفسه؛ فإذا كانت الحزمة تستهدف نحو 70 مليون مواطن في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي 110 ملايين، فهذا يعني أن 40 مليون فقط هم من لا يحصلون على هذا النوع من الدعم، بينما 70 مليون إما تحت خط الفقر أو قريبون جدًا منه، وهو ما اعتبرته «خرابًا اجتماعيًا» لا يعكس بأي حال مفهوم العدالة الاجتماعية، بل يكشف حجم التدهور في مستويات المعيشة، ويضع الحزمة في إطار إدارة أزمة فقر واسعة النطاق، لا مجرد رعاية محدودة لفئة هامشية من المجتمع.

 

 

الناشط العربي هاجم أحمد موسى بلغة غاضبة وقاسية، معتبرًا أن حديثه عن 400 جنيه باعتبارها دعمًا حقيقيًا هو اعتراف غير مباشر بأن ثلثي الشعب أصبحوا فقراء، مشيرًا إلى أن المبلغ نفسه لا يكفي لشراء كيلو لحم في ظل الأسعار الحالية، ومتسائلًا عما يمكن أن يفعله المواطن بباقي الشهر والعيد في ظل هذا المستوى من «المساندة»، قبل أن يصبّ غضبه على «النظام» الذي يمثله موسى إعلاميًا، ويرى أن خطابه لا يتجاوز محاولة لتجميل صورة السلطة أمام جمهور أنهكه الغلاء.

 

 

من جهتها، قدّمت تمارا قراءة أوسع للسياق المالي، مشيرة إلى أن الدولة أنفقت «مليارات متلتلة» من الدولارات على ما وصفته بـ«الفناكيش» والسجاد الأحمر والمؤتمرات والقصور، ثم جاءت اليوم لتمنح الشعب «ندعة» بالجنيه بعدما التهم الغلاء أجورهم ومدخراتهم، في مقارنة مباشرة بين البذخ في المشروعات والفعاليات الكبرى، وبين محدودية ما يُخصص للفقراء ومحدودي الدخل في لحظة أزمة، واعتبرت أن الحزمة تعكس خللًا في ترتيب الأولويات أكثر مما تعكس تحولًا حقيقيًا لصالح العدالة الاجتماعية أو إعادة توزيع الثروة بشكل منصف.

 

 

دور أحمد موسى الإعلامي بين «التطبيل» واحتقار وعي الجمهور

 

مغردون آخرون ركزوا على دور أحمد موسى نفسه في المنظومة الإعلامية، إذ كتب حساب باسم حمودة أن موسى يلعب «دور الطبال» متطوعًا من أجل راتب يقدّره بـ10 آلاف دولار في الحلقة، في إشارة إلى الفجوة بين نمط حياة بعض الإعلاميين المقرّبين من السلطة وبين واقع المواطنين الذين يُطلب منهم تقبّل 400 جنيه كدعم استثنائي، بينما لا يتوقف هؤلاء عن الدفاع عن السياسات الاقتصادية الرسمية التي أنتجت الأوضاع الحالية، ما يُضعف مصداقية الخطاب ويفتح الباب أمام اتهامات مباشرة بتقديم الولاء للسلطة على حساب المهنية والانحياز الحقيقي للمشاهدين.
 

 

وجدي قدّم من جانبه قراءة سياسية للسردية التي يروّجها موسى، معتبرًا أن الحديث عن جمع 40 مليار جنيه كدليل على نجاح الاقتصاد يشبه مشهد فيلم «صرخة نملة» حين وزعت الحكومة الشركات على الشعب نظريًا ووعدته بالأرباح، مشيرًا إلى أن ما يحدث الآن هو نزول الدولة لبيع الشركات والأصول، مع إلقاء «لقمة للكلب» حتى يستمر البيع في صمت، وفق تعبيره، مستندًا إلى مثل شعبي «اطعم الفم تستحي العين» لوصف علاقة السلطة بالمواطن عبر حزم اجتماعية محدودة مقابل تمرير سياسات خصخصة وبيع أصول كبرى بعيدًا عن النقاش العام الواعي.

 

 

أما علاء فاختار زاوية لغوية ساخرة، معتبرًا أن أحمد موسى يتعامل مع استخدامه تعبير «حضراتكوا» في مخاطبة الناس كأنه إنجاز في حد ذاته، متسائلًا عما يمكن أن يحتاجه المواطن أكثر من ذلك، في تلميح إلى نوع من الاحتقار الضمني لوعي الجمهور حين يُقدَّم تغيير نبرة الخطاب أو استخدام تعبيرات مهذبة نسبيًا كتعويض عن غياب إجراءات اقتصادية جادة تحسّن مستوى المعيشة، وتحترم حق المواطن في معرفة حقيقة الأوضاع بالأرقام بعيدًا عن التجميل والتبرير المستمرين.
 

 

مجمل هذه التعليقات يكشف فجوة كبيرة بين صورة «الدولة التي بدأت تندع» كما يقدّمها أحمد موسى، وبين إدراك قطاع واسع من المصريين لحقيقة أثر الحزمة الاجتماعية على حياتهم اليومية، فبين كيلو لحم لا تكفيه 400 جنيه، و70 مليون مواطن داخل دائرة الاستهداف بالدعم، ومليارات سابقة أُنفقت على مشروعات مثيرة للجدل، يبدو أن دور الإعلام الرسمي في تبرير السياسات لم يعد مقنعًا لكثيرين، بل صار مادة إضافية لتعميق الغضب والسخرية، بدل أن يكون جسرًا حقيقيًا لنقل صوت الناس ومحاسبة من يتخذون القرار.