أثار طرح يتبناه رجل الأعمال أحمد مسعود لتشريع يحدد عدد الأطفال في الأسرة بـ 3 فقط، مع فرض غرامة قدرها 100 ألف جنيه على الأسر التي تنجب أكثر من ذلك، موجة رفض حادة. المحامي الحقوقي سعيد عبد الحافظ عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان تصدى للفكرة علنًا، واعتبرها “تهريجًا سياسيًا”. جوهر اعتراضه لا يقف عند الرقم أو الغرامة، بل عند تحويل قرار أسري إلى عقوبة مالية تمس الحياة الخاصة وتفتح بابًا لتمييز طبقي.

 

“تهريج سياسي” أم سياسة عامة: الفكرة تحت اختبار الجدية الدستورية

 

يرى سعيد عبد الحافظ أن مطالبة أحمد مسعود بتشريع يحدد عدد الأطفال في الأسرة بثلاثة وفرض غرامة 100 ألف جنيه على من ينجب أكثر من 3 تدخل في إطار “التهريج السياسي”. توصيفه ليس شتيمة عابرة، بل حكم على منطق الطرح. لأنه، وفق ما كتب، يختزل أزمات كبرى في شعار سريع، ويتجاهل تعقيد الملف السكاني وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية.

 

يرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن صياغة الأزمة في شكل “غرامة على الرابع” تعني نقل القضية من سياسات عامة إلى عقوبات فردية. هنا يصبح التشريع أداة ردع لا أداة إصلاح. وتصبح الدولة في مواجهة مباشرة مع الأسرة. هذا الترتيب يخلق توترًا قانونيًا وسياسيًا. لأن السياسة السكانية عادة تُبنى على خدمات وتنظيم ووعي وحوافز، لا على غرامات ضخمة تُفرض على قرار شخصي.

 

يرى عبد الحافظ أن الأزمات الكبرى لا تُدار بقرارات صادمة تنفجر في وجه الفئات الأضعف. فاقتراح وضع سقف للإنجاب يعامل المواطنين كأرقام، ثم يفرض عليهم فاتورة موحدة لا تراعي اختلاف الظروف. والنتيجة المتوقعة، بحسب منطقه، ليست حلًا سكانيًا بقدر ما هي تحويل الأسرة إلى “موقع مخالفة” دائم، تُهدَّد فيه الحقوق الأساسية بسبب قرار يتعلق ببنية الحياة نفسها.

 

قرار الإنجاب خصوصية لا عقوبة: أين تقف الدولة وأين تبدأ الأسرة؟

 

يرى سعيد عبد الحافظ أن قرار الإنجاب في جوهره قرار أسري وشخصي شديد الارتباط بالحياة الخاصة للأفراد. ولذلك فإن أي تدخل تشريعي لتقييده بالعقوبة يمس الحرية الشخصية وخصوصية الأسرة. ويشدد على أن الدستور المصري كفل حماية الحياة الخاصة، وأكد أن الأسرة أساس المجتمع. في هذه النقطة، الاعتراض ليس سياسيًا فقط، بل دستوري أيضًا، لأنه يطعن في مبدأ تحويل الخصوصية إلى مجال للعقاب.

 

يرى عبد الحافظ أن الخطر لا يقتصر على الغرامة نفسها. بل يمتد إلى نموذج التشريع الذي يقترحه الطرح. نموذج يفتح الباب لتوسع القيود لاحقًا. اليوم “غرامة على الرابع”. غدًا قد تظهر قيود على خدمات أو مستندات أو دعم. وعندها تتحول السياسة السكانية إلى مسار عقابي متدرج، يضغط على الأسرة بدل أن يقدم حلولًا للخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل التي ترتبط عمليًا بمناقشة السكان.

 

يرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن اختزال الأزمة السكانية في عقوبة يهرب من مسؤوليات الدولة الأكبر. لأن القضية لا تُحل فقط بعدد المواليد، بل بقدرة الاقتصاد والخدمات على استيعاب السكان. وعندما تُطرح العقوبة كحل سريع، تُدار الأزمة من طرف واحد. الأسرة تدفع. الدولة لا تلتزم في المقابل بخطة معلنة لتحسين الخدمات أو توزيع التنمية أو توسيع شبكة الحماية الاجتماعية.

 

المساواة أمام القانون على المحك: غرامة واحدة وأثر طبقي مضاعف

 

يرى سعيد عبد الحافظ أن مبدأ المساواة أمام القانون يطرح سؤالًا مباشرًا حول عدالة تطبيق الغرامة المقترحة. هل ستطبق الغرامات بعدالة اجتماعية حقيقية؟ الإجابة التي يقدمها حادة: الواقع يقول إن الغرامة لا تؤثر على الجميع بنفس القدر. المقتدر ماليًا سيدفع ويستمر كما هو. بينما تتحول العقوبة عمليًا إلى عبء مضاعف على الأقل دخلًا. بهذا المعنى، تصبح السياسة عقابًا للفقر أكثر من كونها معالجة للمشكلة السكانية.

 

يرى عبد الحافظ أن الغرامة الموحدة 100 ألف جنيه لا تُقاس بمعيار القانون وحده، بل بمعيار القدرة. نفس المبلغ قد يكون “رسومًا إضافية” عند أسرة ميسورة، وقد يكون “إفلاسًا” عند أسرة فقيرة. لذلك فإن الأثر الفعلي للغرامة سيكون غير متكافئ. وسيخلق مسارين مختلفين للمواطنين أمام القانون. من يستطيع الدفع ينجو من الردع. ومن لا يستطيع يتحول إلى مُدان دائمًا، ويُعاقَب مرتين: مرة لأنه فقير، ومرة لأنه أنجب.

 

يرى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن هذا الاقتراح، بصيغته التي تربط الإنجاب بعقوبة مالية كبيرة، يعمق انعدام الثقة بين الدولة والمجتمع. لأنه يبعث برسالة مفادها أن الدولة تتعامل مع الأسرة كطرف يجب “معاقبته” بدل دعمه وتقديم خدمات تنظيم الأسرة والتوعية. كما أنه يفتح الباب لنقاش أوسع حول حدود تدخل التشريع في تفاصيل الحياة اليومية، وحول ما إذا كانت حلول الأزمة السكانية تُفرض بالقوة المالية أم تُبنى بسياسات عامة عادلة.