كشفت الكاتبة الصحفية إيمان عوف، عضو مجلس نقابة الصحفيين، تفاصيل مشاركتها مع نقيب الصحفيين خالد البلشي في مناقشة مقترح للنائبين ياسر جلال وناجي الشهابي داخل مجلس الشيوخ، يشترط الحصول على إذن مسبق للتصوير والتسجيل والنشر داخل المجلس.
المناقشات جرت بحضور عدد من أعضاء لجنة الثقافة والآثار والإعلام. جوهر الخلاف كان واضحًا: النقابة ترى قيدًا جديدًا يضغط على العمل الصحفي، بينما يرفع المقترح سقف التحكم المسبق في التغطية.
إذن مسبق أم قيد نظامي؟
خلال المناقشات، قدّم خالد البلشي موقفًا حادًا في مضمونه ومحددًا في حججه.
اشتراط الإذن المسبق، وفق ما أكده، ليس “تنظيمًا” بقدر ما هو قيد نظامي ومصادرة لحق العمل الصحفي.
البلشي طالب بتفعيل القوانين والضوابط القائمة بدل إضافة بوابة جديدة للمنع، مع تسريع إصدار قانون لتداول المعلومات.
حجته مباشرة: سدّ المعلومات هو الطريق الأقصر لتضخم الشائعات، وإتاحتها هي الأداة الأكثر فعالية لخفضها من دون كسر حق الصحافة في الرقابة.
في المقابل، يعكس مقترح النائب ياسر جلال والنائب ناجي الشهابي اتجاهًا معاكسًا.
اشتراط الإذن المسبق للتصوير والتسجيل والنشر داخل مجلس الشيوخ يعني نقل نقطة السيطرة إلى “قبل” حدوث التغطية، لا “بعدها” عبر المساءلة عند المخالفة.
هذا فرق جوهري في ميزان الحريات.
لأن المنع المسبق لا يختبره القضاء أو قواعد النشر لاحقًا، بل يوقف العمل من الأصل.
وهو ما تعتبره النقابة وصفة لتقليص المساحة المتاحة للصحفيين داخل مؤسسة تشريعية يفترض أن تكون أعمالها محل متابعة علنية.
الخصوصية و«صحافة الترند» ومشكلة غياب المعلومات
النقاش لم يتجاهل الخصوصية. البلشي شدد، بحسب ما ورد على لسان إيمان عوف، على حرص النقابة الكامل على حماية الحياة الخاصة للأفراد.
عوف دعمت هذا المبدأ بوضوح، لكنها وضعت إصبعها على المفارقة التي تدفع المشهد إلى الخلف: انتشار ما يُعرف بـ«صحافة الترند» ليس مشكلة أخلاقية منفصلة عن السياق، بل نتيجة لغياب المعلومات وضعف الصحافة المعبرة عن المواطنين.
المعنى هنا عملي: حين تُغلق مصادر البيانات، يتقدم المحتوى الأسهل والأعلى جذبًا على حساب التغطية المهنية.
إيمان عوف انتقلت من المبدأ إلى أثره المباشر على المهنة. فرض إذن مسبق للتصوير والتسجيل، كما قالت، يعني عمليًا القضاء على دور الصحافة الرقابي، خصوصًا في ملفات الفساد ورصد الحوادث.
وهي لم تقدم ذلك كاحتمال نظري، بل كخبرة يومية.
عوف أكدت أن الصحفيين “يعانون كثيرًا” لأداء دورهم في ظل القيود القائمة أصلًا، وبالتالي فإن إضافة قيد جديد ستدفع العمل إلى مساحات أكثر ضيقًا وأقل فاعلية، وتحوّل التغطية إلى نشاط مُفرغ من أهميته.
المادة 12 وقانون تداول المعلومات وبديل النقابة
ضمن الكواليس التي سردتها عوف، برز مسار كانت تتوقعه ولم يحدث بالطريقة التي انتظرتها.
قالت إنها كانت تتوقع أن تتجه المناقشات نحو تعديل المادة 12 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام، باعتبارها مادة “تعيق ممارسة العمل الصحفي الحقيقي” وتتوسع في منع التصوير.
هذه النقطة شديدة الحساسية لأنها تربط بين قيود قائمة بالفعل وبين مقترح جديد قد يضاعف المنع بدل إصلاحه.
عوف قدّمت مثالًا قاسيًا: مساحة التصوير تتقلص إلى حد يترك أمام الصحفيين تغطية الجنازات أو اللجوء إلى أنماط صحفية لا تعبر عنهم ولا عن المواطنين أو حتى مؤسسات الدولة.
المطلب الثاني جاء بصيغة لا تقبل الالتفاف.
عوف أكدت ضرورة الالتزام بالدستور والقانون والعمل على إصدار قانون لحرية تداول المعلومات، مع التشديد على أن إتاحة المعلومات هي الأصل وليست الاستثناء. البلشي، من جانبه، وضع تداول المعلومات في قلب مواجهة الشائعات بدل سياسة “سد الباب”. الربط هنا ليس سياسيًا بل مهني.
عندما تكون المعلومات متاحة بقواعد واضحة، تقل الحاجة إلى اجتهادات فردية أو تسريبات، وتصبح المحاسبة ممكنة على أساس بيانات، لا على أساس انطباعات أو مقاطع مبتورة.
في ختام المناقشات، لم يكتفِ البلشي برفض المقترح. سلّم للجنة مقترحًا متكاملًا بشأن تنظيم العمل الصحفي.
ووفق ما ورد، أكد أن النقابة بصدد إقرار ميثاق شرف صحفي ومجموعة من الأكواد والمدونات المنظمة للمهنة، بالتعاون مع الجهات المعنية.
الرسالة التي تريد النقابة تثبيتها هنا مزدوجة: لا حصانة للفوضى أو لانتهاك الخصوصية، لكن العلاج ليس منعًا مسبقًا يُشبه الإغلاق الإداري، بل قواعد مهنية مكتوبة ومسارات مساءلة لاحقة عند الخطأ، مع فتح باب المعلومات كمبدأ حاكم.
وبين رفض البلشي وطرح النقابة البديل، وبين دفاع عوف عن الدور الرقابي وتحذيرها من توسيع المنع، يقف مقترح ياسر جلال وناجي الشهابي كاختبار لمعادلة حساسة. كيف يُحمى الحق العام في المعرفة داخل مؤسسة تشريعية، وكيف تُحمى الخصوصية دون تحويل الإذن إلى “مفتاح” بيد جهة واحدة تمنح أو تمنع.
النقاش كما ظهر في تفاصيل عوف لم يكن صراع شعارات، بل صراع أدوات: تفعيل قواعد قائمة وقانون تداول معلومات، مقابل إضافة قيد جديد يغيّر قواعد اللعبة من الرقابة إلى الاستئذان.

