ينطلق قطب العربي، الكاتب والصحفي المعروف، من المقولة الشهيرة "التاريخ يكتبه المنتصرون" ليعيد فتح ملف الذاكرة والتاريخ في العالم العربي، ومصر بشكل خاص، معتبرًا أن ترديد هذه الجملة كما لو كانت حقيقة مطلقة يخدم رواية الأقوياء وحدهم، ويتجاهل قدرة المهزومين على تسجيل روايتهم ولو تأخر نشرها، فهو يرى أن المنتصر يفرض سرديته ووقائعه على الأرض ويمحو أسماء وإنجازات خصومه، لكن ذلك لا يلغي حق الخاسرين في توثيق تجربتهم، انتظارًا للحظة يصبح فيها المجتمع مستعدًا لإعادة قراءة الأحداث من زاوية مختلفة تعيد الاعتبار لما حاولت السلطة إخفاءه أو تشويهه.

 

معركة السرديات بين المنتصر والمهزوم من المقولة إلى الميدان

 

يذكّر قطب العربي بأن نسبة مقولة "التاريخ يكتبه المنتصرون" تنقلت بين تشرشل وهتلر وبرازياك، لكنها في نهاية المطاف مجرد تعبير شخصي عن لحظة قوة، وليست قاعدة دينية أو علمية أو قانونية ملزمة، فهي تعبر عن قدرة المنتصر المؤقت على فرض رؤيته وسرديته، وإعادة ترتيب المشهد العام بما يخدم تثبيت سلطته، لكنه يشدد في المقابل على أن الطرف المهزوم يملك دائمًا الحق والواجب في تسجيل روايته مهما كانت الظروف، حتى لو لم يتمكن من إعلانها فورًا، إذ قد تأتي مرحلة تاريخية جديدة تسمح لهذه الشهادة بالظهور، وتجذب من يتبناها ويعيد تفسير الأحداث على هداها، بل إن الخاسر في جولة قد يعود منتصرًا في جولة لاحقة، فيستفيد من سرديته المتماسكة في فهم ما جرى واستثمار دروسه في معاركه التالية.

 

وينتقل الكاتب من المستوى النظري إلى وصف الواقع باعتباره "معركة سرديات" مفتوحة، فمن لا يقدّم روايته سيجد نفسه محاصرًا برواية خصومه التي تملأ الفراغ وتتحول بمرور الوقت إلى "حقيقة رسمية"، ويضرب مثالًا بحركة حماس وسرعة تحركها لتسجيل سرديتها لعملية "طوفان الأقصى"، إذ يرى أنها نجحت طوال الحرب في مواجهة رواية الاحتلال الصهيوني رغم التفوق العسكري الهائل، وانحياز معظم المنابر الإعلامية التقليدية للأخير، لكن إعلام المقاومة وخطابها الموجّه نجح في الوصول إلى فئات واسعة من الشباب في الغرب، خاصة في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وهو ما تجلى في المظاهرات والاعتصامات الطلابية المؤيدة لفلسطين، والتي تعكس تأثير سردية بديلة اخترقت جدار الرواية الرسمية الغربية.

 

ويؤكد قطب العربي أن معركة السرديات لا تقتصر على الصراع العربي الإسرائيلي أو الساحات الدولية، بل تمتد إلى الداخل المصري ذاته، حيث يفرض "الحكام المتغلبون" – على حد وصفه – سرديتهم عبر مناهج التعليم والإنتاج الثقافي والفني، فيتحكمون في كتب التاريخ التي تُدرّس في المدارس والجامعات، ويشرفون على الأعمال الدرامية التي تصوغ وعي الأجيال، ويستشهد على ذلك بحالة الرئيس محمد نجيب الذي جرى محو اسمه لعقود من الذاكرة الرسمية لصالح جمال عبد الناصر، حتى إن موظفًا في جهاز الإحصاء لم يصدق نجيب حين كتب في استمارة التعداد أنه "رئيس سابق" لأنه لم يعرف رئيسًا سابقًا غير عبد الناصر، وهو ما وثّقه نجيب في مذكراته "كنت رئيسًا لمصر" التي ساهمت لاحقًا في استعادة جزء من مكانته التاريخية.

 

تشويه ثورة يناير بعد انقلاب 2013 والزن على الأذن في خدمة السلطة

 

يربط قطب العربي بين هذا النموذج القديم وما جرى بعد انقلاب 3 يوليو 2013، حيث يرى أن السلطة الجديدة انخرطت في عملية واسعة لتشويه التاريخ القريب الذي عاشه المصريون بأعينهم، فجرى حذف جزء كبير من أرشيف ثورة يناير ودور القوى التي صنعتها أو شاركت فيها، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية، وبعض القوى المدنية كذلك، من الصحف والمواقع والقنوات، ويكشف عن تجربة شخصية حين يقول إنه لم يعد يجد كثيرًا من مقالاته ومداخلاته التلفزيونية عند البحث في الأرشيف، وأن هذا النمط تكرر مع كتاب وشخصيات عديدة، في مقابل ضخ سردية مضادة منذ اليوم الأول للانقلاب، تقوم على تضخيم صور مظاهرات 30 يونيو 2013، ونسج حكايات لا شاهد عليها سوى رواة السلطة، بينما يرزح الطرف الآخر بين القبور والزنازين، محرومًا من حق الرد أو حتى استقبال الزيارات.

 

ويصف الكاتب هذه العملية بأنها ليست مجرد تزوير عابر، بل مشروع متكامل لتوثيق سردية مضللة في كتب وروايات وأفلام ومسلسلات تُنفق عليها المليارات، مستفيدًا من قوة التكرار وما يسميه المثل الشعبي "الزن على الأذن أمرّ من السحر"، وهي ترجمة شعبية لمقولة غوبلز وزير إعلام النازية "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، مشيرًا إلى أن هؤلاء لا يبالون بوصفهم كذابين في الدنيا أو بما ينتظرهم في الآخرة، بقدر ما يسعون إلى تثبيت سلطتهم وتشويه خصومهم وإقناع قطاعات من الشعب بسردية تبرر القمع وتُشيطن الثورة وممثليها، في ظل صمت أو عجز العديد من الشهود عن تقديم رواية موثقة لما جرى في تلك السنوات الفاصلة.

 

حماية الذاكرة كواجب جماعي وكتاب قطب العربي عن مرسي والإعلام

 

ينتقل قطب العربي في ختام مقاله إلى دعوة صريحة باعتبار "حماية الذاكرة" فرض كفاية على المجتمع، أي واجبًا عامًا إذا تركه الجميع أثموا، ويطالب كل من شارك في العمل العام، سياسيًا أو تنفيذيًا أو دعويًا أو اجتماعيًا، بأن يوثّق شهادته وما واجهه من تحديات وعقبات، معتبرًا أن هذا التوثيق ليس نوعًا من التفاخر أو الرياء، بل حق للمجتمع والأجيال القادمة في معرفة ما حدث من مصادر متعددة، لأن صمت الشهود ووفاتهم دون تسجيل تجربتهم يترك المجال مفتوحًا أمام الخصوم لفرض روايات كاذبة تتحول مع الوقت إلى التاريخ الرسمي المعتمد الذي يُدرّس ويُستند إليه في الأحكام والتقييمات.

 

وفي هذا السياق يقدّم قطب العربي تجربته الخاصة كنموذج عملي، فيقول إنه اجتهد لتقديم سردية موضوعية لتعامل الرئيس الراحل محمد مرسي وإدارته مع المشهد الإعلامي خلال سنة حكمه من يونيو 2012 إلى يونيو 2013، وجمع هذه الشهادة في كتاب بعنوان "مرسي والإعلام.. معركة الذاكرة، رؤية من الداخل"، صدر بالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة لثورة يناير والربيع العربي عمومًا، موضحًا أنه كتب من موقعه داخل مركز صناعة القرار الإعلامي في تلك الفترة، ليضع أمام الباحثين والإعلاميين والسياسيين مادة خامًا تساعدهم على فهم ما جرى بعيدًا عن تشويه الخصوم أو تبرير غير نقدي للتجربة.

 

ويؤكد أنه حاول في هذا الكتاب رصد نجاحات وإخفاقات تجربة حكم مرسي في إدارة ملف الإعلام، وتفكيك التحديات التي واجهتها من داخل الدولة العميقة وشبكة تحالفاتها المحلية، ومن القوى الإقليمية التي رفضت انتصار الثورة المصرية ووصول رئيس ذي خلفية إسلامية إلى الحكم، مشيرًا إلى أن مليارات الجنيهات أُنفقت لتشويه الثورة وتحويل فترة حكم مرسي إلى "فاصل كارثي" في السردية الرسمية، وهو ما يزيد من أهمية وجود روايات مقابلة موثقة تعيد التوازن إلى صورة تلك المرحلة وتمنح الأجيال الجديدة فرصة قراءة أكثر عدلًا للتاريخ القريب.

 

ويختم قطب العربي بالدعوة إلى أن يسارع من يمتلكون القدرة على الكتابة والتوثيق ممن تولوا مسئوليات عامة إلى تسجيل شهاداتهم، أو الاستعانة بكتاب محترفين لصياغتها كما يحدث في مذكرات السياسيين حول العالم، حتى وإن تعذر نشر هذه الشهادات حاليًا لأسباب أمنية أو سياسية، إذ يمكن حفظها للنشر في وقت لاحق، حين تتغير موازين القوى أو تتسع مساحة الحرية، وبذلك تتحول معركة السرديات من ساحة احتكار رسمي إلى ساحة تنافس مفتوح بين روايات متعددة، يملك فيها المجتمع أدوات أفضل للحكم على ماضيه واستشراف مستقبله.