مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

"أميركا ستفلس حتمًا، والدين العام يتراكم بشكل جنوني، والذكاء الاصطناعي هو المنقذ الوحيد"، ليس هذا هو التصريح الأول الذي يطلقه الملياردير الأميركي والرئيس التنفيذي لشركة تسلا والوزير السابق في حكومة دونالد ترامب، إيلون ماسك، والذي حذّر قبل ثلاثة أيام من أن الولايات المتحدة تتجه نحو كارثة مالية حتمية، ما لم تتمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات من إحداث تحول جذري في الاقتصاد الأميركي يخفف عبء الديون المتراكمة.

 

سبق لإيلون ماسك أن أطلق تحذيرات عدة من أن إفلاس الولايات المتحدة بات وشيكًا، وأن الدولة صاحبة أضخم اقتصاد في العالم تقترب بسرعة كبيرة من الإفلاس الفعلي بسبب تراكم الديون. وكان من أشهر تلك التحذيرات ما جرى خلال توليه وزارة الكفاءة الحكومية حيث قال في فبراير 2025 إنّ الولايات المتحدة ستفلس من دون اقتطاعات في الموازنة العامة للدولة.

 

وعاد هذا الأسبوع ليصرّح بأن مدفوعات الفوائد على الدين العام تفوق حجم الميزانية العسكرية الأميركية، وأن تكلفة المدفوعات وحدها على الدين تصل إلى نحو تريليون دولار سنويًا، وهو رقم يتجاوز ميزانية الجيش الأميركي والذي تعهد ترامب بزيادة مخصصاته إلى 1.5 تريليون دولار، والأخطر جماهيريًا أن تكاليف خدمة الدين تفوق الإنفاق على برامج اجتماعية رئيسية مثل برنامج الرعاية الصحية لكبار السن "ميديكير".

 

نبوءة ماسك ليست الأولى فقد سبق لخبراء اقتصاديين التنبؤ بإفلاس أميركا وعجزها عن سداد ديونها مع تكرار الأزمات العنيفة التي يعانيها اقتصادها بين وقت وآخر، وضخامة عجز الموازنة العامة، والنزيف المالي الناتج عن زيادة المصروفات مقابل تراجع الإيرادات، ووصول نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 124%.

 

صحيح أن تلك النبوءات لم تتحقق بشكل كامل، لكنها كانت تظهر في شكل أزمات مالية عنيفة كما جرى في العام 2008، لكن النبوءات الأخيرة تستند إلى مؤشرات اقتصادية ومالية قوية، فالاقتصاد الأميركي تلقى ضربات موجعة في السنوات الأخيرة، أخطرها لا يكمن في تفاقم الدين العام فقط، والذي تجاوز 38.5 تريليون دولار وفق أحدث الأرقام، والذي يؤدي إلى الإغلاق الحكومي بين وقت وآخر، ولا في إفلاس مؤسسات مالية وبنوك كما جرى قبل أيام، حيث سجّل القطاع المصرفي الأميركي أول حالة تعثر مصرفي خلال عام 2026، بعدما أعلنت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع (FDIC) إغلاق بنك Metropolitan Capital Bank & Trust، ولا يكمن في تنامي عدد الشركات المفلسة، حيث سجلت حالات إفلاس الشركات الأميركية في 2025 أعلى مستوياتها منذ 15 عامًا، إذ أعلنت أكثر من 717 شركة إفلاسها خلال أول 11 شهرًا، بزيادة 14% عن 2024، مما سبَّب فقدان 70 ألف وظيفة.

 

لكن الخطر الأكبر يأتي من حالة العداء العالمية المتزايدة ضد كل ما هو أميركي بسبب السياسات الخشنة للإدارة الحالية، ودخول ترامب في حروب ومواجهات رفعت مستوى المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية إلى درجة كبيرة، وأسفرت حالة العداء واللايقين تلك عن حدوث تغيرات عنيفة في المشهد الاقتصادي العالمي والأميركي، فقد عادت الحروب التجارية والمواجهات الاقتصادية الشرسة، وتوسعت الولايات المتحدة في سياسة السطو على ثروات الدول وفي مقدمتها النفط والمعادن النادرة، وهددت باحتلال دول مستقلة، وخطفت بالفعل رؤساء دول.

 

في ظل تلك الأجواء تلقى الاقتصاد الأميركي ضربات موجعة في الفترات الماضية، فقد زاد إقبال البنوك المركزية العالمية على حيازة الذهب مقابل تقليص الدولار، واندفعت حكومات عدة نحو تقليص حصة العملة الأميركية في احتياطاتها الدولية من النقد الأجنبي، وتراجع سعر الدولار مقابل العملات الرئيسية، واندفع شركاء الولايات المتحدة نحو إبرام شراكات اقتصادية مع الصين والهند ودول أميركا اللاتينية وغيرهم وبعيدًا عن الولايات المتحدة، وتوسعت دول العالم في إجراء المبادلات التجارية بالعملات المحلية.

 

لكل هذه الاعتبارات وغيرها، قد تتحقق نبوءة ماسك وغيره من أصحاب توقعات إفلاس أميركا هذه المرة في غضون سنوات قليلة ما لم تسارع الولايات المتحدة نحو تغيير سياساتها المتعجرفة، والتخلي عن سياسة السطو والصلف التي باتت تتسم بها إدارة البيت الأبيض.