في حكم جديد أعاد إشعال الجدل حول أوضاع أصحاب المعاشات في مصر، رفضت المحكمة الدستورية العليا الطعن على دستورية خصم قيمة الاشتراك في نظام التأمين ضد المرض من معاشات المتقاعدين، مؤكدة أن النص محل النزاع في القانون رقم 86 لسنة 2000 لا ينطوي على أثر رجعي، وأنه يمدّ مظلة العلاج على فئات لم تكن مشمولة من قبل، في إطار ما وصفته المحكمة بتجسيد مبدأ التضامن الاجتماعي المنصوص عليه في الدستور.

 

قانونيًا، تبدو الصورة «منضبطة»: المشرّع مارس سلطته التقديرية، والمحكمة رأت أن خصم الاشتراك – مع إتاحة خيار عدم الانتفاع في فترة محددة – يوازن بين تمويل منظومة التأمين الصحي وحماية الحرية الشخصية للمتقاعدين. لكن اجتماعيًا، تبدو الصورة مغايرة؛ فخصم 1% من معاش متدنٍ أصلًا، في ظل موجات غلاء متلاحقة، يعني عمليًا اقتطاع جزء من دواء المتقاعد أو طعام أسرته، مع شكوك واسعة في جودة الخدمة الصحية المقدّمة مقابل هذا الخصم. وهنا يتجدد السؤال المرير: هل يكفي أن يكون النص «سليمًا دستوريًا» إذا كان الواقع يضغط على أصحاب المعاشات حتى آخر جنيه في جيوبهم؟

 

حكم يوسّع مظلة العلاج.. لكنه يحمّل المتقاعد فاتورة إضافية

 

وفق حيثيات الحكم المنشور في الجريدة الرسمية، رأت المحكمة الدستورية أن المادة الثانية من القانون 86 لسنة 2000 – المعدّلة لقانون التأمين الاجتماعي 79 لسنة 1975 – استهدفت توسيع نطاق تأمين المرض ليشمل أصحاب المعاشات الذين انتهت خدمتهم قبل العمل بالتعديل، ولم ينتفعوا سابقًا بأحكام العلاج والرعاية الطبية. واعتبرت المحكمة أن إلزام هؤلاء باشتراك يُخصَم من المعاش، مع منحهم الحق في طلب عدم الانتفاع بالنظام، يقع في قلب السلطة التقديرية للمشرّع ولا يخالف مبدأ المساواة أو الحماية الدستورية للملكية والحرية الشخصية.

 

قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الحالي رقم 148 لسنة 2019 يحدد بوضوح أن تمويل تأمين المرض لأصحاب المعاشات يتم عبر خصم 1% شهريًا من المعاش للمتقاعد، و2% من معاش المستحقين (الأرامل والأبناء)، مقابل الانتفاع بالعلاج والرعاية الطبية المنصوص عليها في القانون. وعلى الورق، يبدو الأمر صفقة منطقية: اشتراك صغير نسبيًا، مقابل الحق في العلاج، وتعويض أجر أثناء المرض، وبعض المزايا الإضافية.

 

لكن هذه «الصفقة» تفترض ضمنًا أن المعاش نفسه يكفي أساسًا لمعيشة كريمة، وأن الخدمة الصحية المتاحة عبر التأمين فعالة وميسورة. هنا تبدأ الفجوة بين منطق النص ومنطق الحياة اليومية. فالمتقاعد الذي يحصل على معاش قريب من الحد الأدنى، ويواجه أسعار أدوية وكشف خاص وفحوصات باهظة، لا يرى في خصم 1% «تضامنًا اجتماعيًا» بقدر ما يراه استقطاعًا قسريًا من دخل لا يحتمل مزيدًا من النزيف.

 

اللواء جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، أقرّ في أكثر من تصريح تلفزيوني بأن هناك «شكوى عامة» لدى أصحاب المعاشات من تدني قيم المعاشات، وأن كثيرين ممن كانوا يتقاضون 4000 أو 5000 جنيه أثناء العمل خرجوا إلى معاشات لا تتجاوز 400 أو 500 جنيه، نتيجة سنوات من التأمين على أجر أقل من الأجر الحقيقي وحدود تأمينية متدنية. هذا الإقرار الرسمي يعكس تناقضًا صارخًا: الدولة تعترف بأن المعاشات نفسها غير كافية، ومع ذلك تتوسع في تحميلها أعباء إضافية تحت عنوان «تأمين المرض».

 

معاش لا يكفي الدواء: «مظاليم المعاشات» بين النصوص الجميلة وواقع الجوع والمرض

 

الخبير الاقتصادي د. إلهامي الميرغني وصف أوضاع أصحاب المعاشات في مقال مطوّل بأنها «مظاليم المعاشات»، مشيرًا إلى أن الأجور والمعاشات الحالية لا تكفي ضروريات حياة الأسرة، وأن النتيجة الطبيعية لذلك هي ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية في مصر، وفق بيانات منظمات دولية عن نقص التغذية وانعدام الأمن الغذائي. في هذا السياق، يصبح خصم أي نسبة – ولو بدت صغيرة رقميًا – عبئًا حقيقيًا على ميزانية البيت المتقاعد.

 

من منظور حقوقي، يشير تقرير صادر عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حول «حقوقنا التأمينية» إلى أن التأمينات الاجتماعية – بما فيها تأمين المرض – ليست منحة من الدولة، بل حق متفرع عن الحق في الضمان الاجتماعي والحياة الكريمة. ويؤكد التقرير أن دور النظام التأميني هو «توفير معاش مناسب» وحماية المؤمن عليهم من مخاطر المرض والشيخوخة، بما يحفظ كرامتهم، لا أن يتحول الاشتراك نفسه إلى عبء يخصم من قدرة المتقاعد على تلبية احتياجاته الأساسية.

 

بمعنى آخر: إذا كان النظام التأميني يفترض، نظريًا، أنه يحمي المتقاعدين من تبعات المرض، فإن ضعف مستوى الخدمات الصحية المتاحة عبر التأمين – من طول قوائم الانتظار، إلى محدودية الأدوية والفحوصات المتاحة – يدفع كثيرًا من أصحاب المعاشات إلى اللجوء للقطاع الخاص على نفقتهم الخاصة، ما يجعلهم يدفعون «مرتين»: مرة عبر الخصم من المعاش، ومرة أخرى من جيوبهم مباشرة.

 

هنا تصبح معادلة المتقاعد قاسية: معاش متدنٍ لا يلحق بموجات التضخم، خصومات إلزامية تحت بند التأمين الصحي، ثم خدمة علاجية لا تضمن له بالضرورة سرير مستشفى أو دواء متوفرًا في الوقت المناسب. هذه المفارقة هي جوهر الأزمة التي تجاهلها الحكم الدستوري بطبيعته القانونية البحتة، لكنها تتصدر يوميات المتقاعدين الذين يواجهون الغلاء والمرض دون شبكة أمان حقيقية.

 

بين حق الدولة في الاشتراك وحق المتقاعد في الحياة الكريمة: أي إصلاح مطلوب؟

 

الخبير في التأمينات الاجتماعية والمعاشات كامل السيد، أمين حزب التجمع بالقليوبية، يحذر منذ سنوات من أن كثيرًا من تعديلات قوانين التأمينات تصب في مصلحة الموازنة العامة والخزانة، أكثر مما تصب في مصلحة أصحاب المعاشات. ويشير في مداخلات إعلامية متعددة إلى أن آليات احتساب المعاشات والخصومات – بما فيها نظم الأقساط والاشتراكات – كثيرًا ما تؤدي عمليًا إلى «أكل» جزء من الزيادات المعلنة، بحيث لا يشعر المتقاعد بتحسن حقيقي في دخله الفعلي بعد التضخم والاقتطاعات.

 

من زاوية أخرى، يرى حقوقيون أن الحكم الدستوري الأخير يكرّس منطقًا خطيرًا: إذا كان الدستور يسمح للمشرّع بهامش واسع في تنظيم الحقوق، فهذا لا يعني أن أي تنظيم يصبح تلقائيًا «عادلًا اجتماعيًا». فسلامة النص من عيب عدم الدستورية لا تعني بالضرورة سلامة أثره الاجتماعي. لذا يطرحون أسئلة عملية واضحة:

 

•  لماذا لا تتحمل الدولة – من الموازنة العامة أو من عوائد استثمار أموال التأمينات – نصيبًا أكبر من تكلفة تأمين المرض لأصحاب المعاشات، بدلًا من تحميلهم اشتراكًا من معاشاتهم المتدنية؟

 

•  لماذا لا يُربط أي خصم من المعاش بمستواه الحقيقي، بحيث يُعفى أصحاب المعاشات القريبة من الحد الأدنى، أو تُخفض النسبة لهم، بينما يتحمل أصحاب المعاشات الأعلى حصة أكبر؟

 

•  ما مدى الشفافية في توضيح ما يحصل عليه المتقاعد فعليًا مقابل هذا الخصم: نوع الخدمة، مستوى المستشفيات، توافر الأدوية، زمن الانتظار؟

 

في المقابل، تدافع الجهات الرسمية عن النظام الحالي باعتباره امتدادًا لتكليف دستوري واضح بتوفير التأمين الاجتماعي والصحي للمواطنين كافة، وتؤكد – كما في تقرير «اليوم السابع» حول كفالة الرعاية الصحية للمؤمن عليهم – أن باب تأمين المرض في قانون التأمينات يوفر تعويض أجر أثناء المرض، ورعاية خاصة للحالات المزمنة، وحقوقًا للمرأة العاملة في حالات الحمل والولادة، وأن أصحاب المعاشات جزء أصيل من الفئات المنتفعة.

 

لكن الخبراء – من أمثال د. إلهامي الميرغني وكامل السيد – يشددون على أن جوهر الإصلاح لا يكمن في الإبقاء على النصوص كما هي مع قدر من «الرتوش الإعلامية»، بل في إعادة النظر في فلسفة النظام برمته: رفع حقيقي لقيمة المعاشات بما يواكب تكاليف المعيشة، ربط الاشتراكات بالقدرة الفعلية لا بمجرد النسب، تحسين جذري لمستوى الخدمة الصحية العامة، وإشراك منظمات أصحاب المعاشات في صياغة السياسات بدل الاكتفاء بإبلاغهم بالقرارات بعد صدورها.

 

في النهاية، حكم المحكمة الدستورية لا يُغلق النقاش، بل يفتحه من زاوية مختلفة: الدولة لها حق في تنظيم الاشتراكات وتمويل نظم التأمين، لكن للمتقاعد – الذي أفنى عمره في العمل – حق لا يقل قداسة في أن لا يتحول معاشه إلى مصدر دائم للخصم، بينما تظل «الحياة الكريمة بعد التقاعد» مجرد شعار جميل في نصوص القوانين والدستور.