يشهد سوق العقارات في مصر حالة من التباطؤ الواضح منذ الربع الأخير من عام 2025، مع تراجع ملحوظ في حركة البيع والشراء وارتفاع الاعتماد على أنظمة التقسيط الطويلة والعروض التحفيزية غير المعتادة.

وفي الوقت الذي يحذر فيه خبراء من تضخم الأسعار بشكل يفوق القدرة الشرائية، ويرجحون اقتراب “تصحيح” قد يخفض قيم بعض الوحدات بنحو 25% مقارنة بذروة 2024–2025، يتمسك آخرون بأن الانخفاض شبه مستحيل بسبب صعود تكاليف البناء والتمويل ومدخلات الإنتاج.

وبين هذين الرأيين، تتداخل عوامل متعددة: تسعير الوحدات وفق سيناريوهات مبالغ فيها لسعر الصرف، منافسة الذهب على السيولة، وفكرة “تصدير العقار” كحل لإنعاش الطلب، ما يجعل السؤال الأساسي: هل نحن أمام فقاعة قابلة للانفجار أم أمام سوق يتغير شكله دون أن تتغير أسعاره فعليًا؟

 

دولار الـ100 جنيه: كيف ساهم “التحوط المبالغ” في تسعير السوق؟

 

يرى عدد من الخبراء أن جانبًا معتبرًا من أزمة الأسعار الحالية يعود إلى سلوك تسعيري قائم على التحوط المسبق.

فوفقًا لرؤية الخبير العقاري أحمد عبد العزيز، فإن كثيرًا من المطورين خلال 2025 سعّروا مشروعاتهم على افتراض تخيلي لوصول الدولار إلى 100 جنيه، ما دفع الأسعار إلى قفزات لا تعكس الطلب الحقيقي ولا القدرة الشرائية المتاحة.

هذه المقاربة قد تبدو منطقية للمطور الذي يخشى تذبذب العملة وارتفاع التكلفة، لكنها تتحول إلى عبء حين يستقر السوق على مستويات أقل من تلك الفرضية، وحين يتباطأ الطلب الفعلي.

 

المعضلة الأكبر أن المطور يصبح “أسيرًا” لأسعار المراحل الأولى؛ فخفض أسعار المراحل الجديدة قد يفتح أزمة ثقة مع العملاء الذين اشتروا سابقًا عند قمم سعرية مرتفعة.

لذلك تلجأ بعض الشركات إلى حلول ملتفة مثل: خصومات كبيرة عند الشراء الكاش، ومد آجال السداد إلى 10 و15 سنة، وتقديم عروض تحفيزية تسويقية.

عمليًا، هذه الأدوات قد تُستخدم كآلية “خفض ضمني” دون الاعتراف بانخفاض رسمي للسعر المعلن، بما يحافظ على صورة المشروع ويقلل الصدام مع العملاء السابقين، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن السعر المعلن لم يعد قادرًا وحده على تحريك المبيعات.

 

ركود المبيعات ومنافسة الذهب: هل التصحيح قادم فعلًا؟

 

المؤشرات التي تدفع فريقًا من الخبراء لتوقع التصحيح لا تتعلق بالسعر فقط، بل بطبيعة الطلب. فهناك هدوء واضح في الشراء الكاش، وارتفاع الاعتماد على التقسيط الطويل، ما يعني أن شريحة واسعة لم تعد قادرة على تحمل الأسعار الحالية.

كما أن انتقال جزء من السيولة نحو الذهب والاستثمارات ذات العائد الأسرع يعمّق الركود داخل القطاع العقاري، ويجعل العقار أقل جاذبية في المدى القصير لدى شريحة تبحث عن سيولة وحركة أسرع للأموال.

 

ويذهب الخبير الاقتصادي هاني توفيق إلى توصيف الوضع باعتباره بداية “فقاعة عقارية”، مستندًا إلى أن وفرة العروض وطول مدد التمويل يكشفان عن ركود حقيقي ومحاولات إنعاش غير مباشرة عبر خفض ضمني.

ويعزز ذلك وجود حالات “عروض نصف الثمن للكاش” أو خصومات كبيرة، وهي إشارات لا تظهر غالبًا في أسواق تتمتع بطلب قوي ومتوازن.

 

من ناحية أخرى، يطرح عبد العزيز حلين يراهما أكثر واقعية لإنقاذ السوق: خفض الأسعار بقرار شبه جماعي بين المطورين لإعادة تنشيط الطلب، أو تدخل حكومي منظم يوازن بين مصلحة المطور وقدرة المواطن عبر مبادرة تمويلية واضحة، مع توفير “عباءة مالية” تحمي حقوق العملاء وتحد من ظاهرة الشركات أشباه المطورين.

هذه الرؤية تنطلق من أن التقسيط وحده لم يعد علاجًا، وأن السوق يحتاج لاستعادة الثقة أولًا، ثم إعادة ضبط السعر بما يتناسب مع الدخل الحقيقي والطلب الفعلي لا الطلب المضاربي.

 

لماذا يرفض البعض فكرة الانخفاض؟ التكلفة والتمويل و”تصدير العقار”

 

في المقابل، يتمسك ممثلو غرفة التطوير العقاري برؤية مغايرة: الأسعار لن تنخفض لأن التكلفة لا تنخفض.

فالمستشار أسامة سعد الدين يؤكد أن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل ومدخلات الإنتاج، خصوصًا الحديد والأسمنت والعمالة المتخصصة، ينعكس مباشرة على التكلفة النهائية للوحدة السكنية.

ومن هذا المنطلق، أي خفض واسع للأسعار يعني خسائر كبيرة للمطورين، وقد يهدد قدرة بعض الشركات على الاستمرار أو تنفيذ التزاماتها.

 

أما محمد البستاني فيلفت إلى أن العقار تاريخيًا يُعد ملاذًا آمنًا يرتفع مع التضخم، وأن الشركات الكبرى غالبًا ما تتبنى تسعيرًا “أكثر عدالة” مقارنة ببعض الشركات الصغيرة والمتوسطة التي قد تخلق تفاوتات غير منطقية داخل المنطقة الواحدة.

في هذا السياق، قد يحدث “فرز” داخل السوق بدلًا من انخفاض عام: مشروعات قوية تحفظ سعرها نسبيًا، وأخرى تُجبر على تقديم خصومات وتمويل أطول لجذب العملاء.

 

وتبرز هنا فكرة “تصدير العقار” كمسار بديل لتوليد طلب جديد، لكن نجاحها مرتبط بتسهيلات واضحة مثل الإقامات الذهبية المرتبطة بحجم الاستثمار وتبسيط إجراءات التملك للأجانب والأشقاء العرب.

إذا تحققت هذه المحفزات، قد يمتص الطلب الخارجي جزءًا من وفرة العرض ويقلل ضغط التصحيح. أما إذا ظلت الفكرة دون آليات تنفيذية جاذبة، فستبقى مجرد رهان مؤجل، بينما تتآكل المبيعات داخليًا.

 

في النهاية، يبدو أن السوق لا يتجه إلى سيناريو واحد حاسم، بل إلى مفترق طرق: “تصحيح معلن” في بعض الشرائح، أو “تصحيح مقنّع” عبر خصومات وتمويل طويل، أو ثبات ظاهري تقوده التكلفة المرتفعة مع إعادة توزيع الطلب نحو المشروعات الأقوى.

والمرجح أن الصورة النهائية ستتحدد بمدى تحسن الدخل الحقيقي، واستقرار سعر الصرف، وتوفر تمويل عقاري منظم، وقدرة الدولة والقطاع على تحويل “تصدير العقار” من شعار إلى سياسة قابلة للتطبيق.