بينما تروِّج الإدارة الأميركية، وعلى رأسها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بوصفه قصة نجاح دبلوماسية، تخرج أرقام منظمة يونيسف وتقارير الميدان لتكشف رواية مغايرة تمامًا: عشرات الأطفال ما زالوا يُقتلون بعد «التهدئة»، ومئات الفلسطينيين سقطوا برصاص وغارات جيش إسرائيل منذ الإعلان عن الهدنة، بينما يستمر الحصار والتجويع وانهيار الخدمات الأساسية.

منذ بداية عام 2026 وحده، وثّقت يونيسف استشهاد 37 طفلًا فلسطينيًّا في غزة، في ظل ما وصفته بأنه «وقف إطلاق نار هش لكنه ما زال مميتًا لكثير من الأطفال»، مع تحذير واضح من أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير.

في المقابل، يظل الخطاب السياسي الأميركي يتحدث عن «استقرار» و«هدوء»، في مفارقة فادحة بين لغة المؤشرات الدبلوماسية ولغة الدم على الأرض.

 

وقف إطلاق نار على الورق: الأرقام تفضح الهدنة

 

بيانات الأمم المتحدة ووكالات الأنباء تكشف أن ما سُمِّي وقفًا لإطلاق النار منذ أكتوبر 2025 لم ينهِ الحرب، بل خفّض منسوب الضجيج الإعلامي بينما استمر القتل بوتيرة «أقل صخبًا».

تقارير أممية تشير إلى أن أكثر من 100 طفل قُتلوا في غزة منذ بدء الهدنة، أي بمعدل طفلين تقريبًا يوميًّا خلال فترات معينة، في ظل وصف رسمي للاتفاق بأنه «هش» لكنّه مستمر.

 

في موازاة ذلك، تُظهر أرقام ميدانية أن الجيش الإسرائيلي نفّذ مئات الخروقات للاتفاق، من غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار على المزارعين والصيادين، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 550 فلسطينيًّا وإصابة مئات آخرين منذ بدء التهدئة، وفق تقديرات نقلتها وكالات عالمية، بينما قُتل أيضًا عدد من الجنود الإسرائيليين في اشتباكات متفرقة.

وثائق صحفية أخرى توثّق ما لا يقل عن 276 خرقًا إضافيًا في «المرحلة الثانية» من الهدنة منذ منتصف يناير، خلّفت 125 شهيدًا و272 مصابًا.

 

هذه الأرقام تقول بوضوح إن ما يجري ليس «وقفًا لإطلاق النار» بالمعنى المتعارف عليه في القانون الدولي، بل حالة من خفض التصعيد العسكري تُستخدم سياسيًا لامتصاص الغضب الدولي وإعادة ترتيب الأوراق، بينما يدفع الأطفال والمدنيون الثمن اليومي للرصاص والقذائف.

 

جيل يُقتل بالقنابل ويُنهَك بالجوع والحصار

 

كارثة أطفال غزة لا تتوقف عند القصف المباشر؛ فحتى أولئك الذين ينجون من الصواريخ يعيشون تحت حدّ السكين الإنساني.

تقارير يونيسف ومكاتب الأمم المتحدة تحذّر من أن أنظمة الصحة والمياه والتعليم في غزة وصلت إلى حالة «انهيار شبه كامل»؛ مستشفيات مدمَّرة أو تعمل بأقل من طاقتها، نقص حاد في الأدوية، مياه غير آمنة، ومدارس تحوّلت إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين.

 

إحدى الإحاطات الأممية الأخيرة تشير إلى أن أكثر من 100 ألف طفل في غزة يعانون من سوء تغذية حاد ويحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد، رغم تحسن نسبي في تدفق الغذاء مقارنة بذروة الحرب، ما يعني أن «وقف إطلاق النار» لم يترجم إلى أمن غذائي أو صحي حقيقي.

وفي الخلفية، يظل الرقم الكارثي يطارد ضمير العالم: أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح في غزة منذ أكتوبر 2023، وفق وزارة الصحة في القطاع، مع تحذيرات من أن الحصيلة الفعلية أعلى بسبب الجثامين تحت الأنقاض وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق.

 

حتى ملف المرضى والجرحى العالقين على بوابة الحياة والموت لم يُحسم؛ فإعادة فتح معبر رفح جزئيًّا سمحت خلال الأيام الماضية بخروج العشرات فقط من أصل نحو 20 ألف شخص ينتظرون الإجلاء الطبي، بينما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مئات المرضى ماتوا خلال الأشهر الماضية وهم ينتظرون فرصة علاج خارج القطاع.

هذا المشهد يجعل من «الهدنة» شكلاً من أشكال الإعدام البطيء لجيل بأكمله: من ينجُ من القنبلة قد لا ينجو من الجوع أو المرض أو الصدمة النفسية.

 

إنجاز دبلوماسي في خطاب واشنطن… وغطاء سياسي لاستمرار الجريمة

 

من جهة أخرى، تواصل الولايات المتحدة تقديم الهدنة بوصفها نموذجًا لنجاح الضغوط الدبلوماسية، وتفاخر بأنها «أوقفت الحرب» و«أتاحت إدخال المساعدات» و«أعادت الأمل لأطفال غزة»، وهي عبارات حاضرة في تصريحات المسؤولين الأميركيين، وفي مقدمتهم ترامب الذي يسوِّق الاتفاق على أنه ثمرة مباشرة لتحركاته.

 

لكن حين تُقارن هذه اللغة الوردية بأرقام الأطفال الشهداء بعد الهدنة، وحجم الخروقات، واستمرار الحصار الخانق، يتبيّن أن «النجاح» المزعوم لم يتجاوز حدود الخطاب السياسي والإعلامي.

وقف إطلاق نار لا يوقف القصف، ولا يرفع الحصار، ولا يضمن حماية المدنيين، ولا يفتح ممرات آمنة وكافية للمساعدات، هو في أحسن الأحوال هدنة مؤقتة تخدم أجندات تفاوضية، لا اتفاق سلام يحترم الدم الفلسطيني.

 

يونيسف نفسها – التي رحّبت مبدئيًا بالاتفاق – عادت لتؤكد أنها لا تستطيع وصف الوضع إلا بأنه «هش، لكنه ما زال مميتًا» بالنسبة للأطفال، مطالِبة بأن يصمد وقف إطلاق النار وأن يتم الوفاء بوعده في إنهاء معاناة الأطفال، لا أن يتحوّل إلى لافتة تُغطّي على استمرار القتل والانهيار الإنساني.

 

في النهاية، جوهر السؤال ليس: هل يوجد «وقف لإطلاق النار» أم لا؟ بل: أي نوع من وقف النار هذا الذي يُدفن خلاله عشرات الأطفال تحت الأنقاض، ويُترك عشرات الآلاف للجوع والمرض بلا دواء ولا مدرسة ولا بيت؟ ما لم تتحوّل هذه «الهدنة» إلى وقف شامل للحرب، ورفع حقيقي للحصار، ومحاسبة جدية عن الجرائم المرتكبة، فإن الحديث عن «إنجاز دبلوماسي» لن يكون سوى محاولة فجة لتجميل مأساة مستمرة، عنوانها الأبرز: أطفال غزة يدفعون وحدهم ثمن سلام لم يأتِ بعد.