أعاد كشف الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، عن أن السبب الرئيسي وراء أزمة نقص الأدوية في مصر هو «ممارسات مقصودة» من بعض الشركات للضغط من أجل رفع الأسعار، فتح ملف الدواء على مصراعيه من جديد.
فالأمر لم يعد مجرد نواقص عرضية هنا أو هناك، بل مسار ممتد تتحول فيه حياة المرضى – خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والخطرة – إلى رهينة لمعادلات الربح والتسعير، وسط ضعف رقابي صارخ وعجز حكومي عن فرض قواعد عادلة في سوق حيوي يُفترض أن يكون أكثر قطاعات الاقتصاد انضباطًا.
عوف أوضح أن عدد الأدوية الناقصة قفز في ذروته إلى نحو 2,000 صنف قبل أن يتراجع إلى حوالي 200 صنف حاليًا، لكن استمرار الظاهرة رغم هذا «الانحسار النسبي» يكشف خللًا مؤسسيًا في إدارة الملف، وغياب توازن حقيقي بين مصالح شركات الإنتاج والاستيراد من جهة، وحق المواطن في دواء متاح وميسّر من جهة أخرى.
في هذا السياق، برزت مواقف عدد من القيادات النقابية والخبراء في نقابتي الصيادلة والأطباء، ممن حذروا من أن ما يحدث هو تزاوج خطير بين انفلات سعر الصرف، وتساهل الدولة مع الشركات الكبرى، وضعف الرقابة على التسعير والتوزيع، بما يحوّل أزمة الدواء إلى تهديد مباشر للحق في الحياة والعلاج.
نقص «مفتعل» وسلاح الأسعار: حين يتحول المريض إلى رهينة لسوق الدواء
تصريحات علي عوف جاءت حاسمة: بعض الشركات تقلل المعروض عمدًا، وتترك أدوية بعينها تختفي من السوق، لتضع الحكومة تحت ضغط اجتماعي وإعلامي يدفعها في النهاية إلى الموافقة على زيادات جديدة في الأسعار، في سوق شهد بالفعل رفع أسعار حوالي 2,000 دواء بنحو 15% في فترات سابقة.
هذا التحليل يلتقي مع ما أكده نقيب الصيادلة السابق الدكتور محيي عبيد، الذي أوضح في تصريحات سابقة أن قفز سعر الدولار من حدود 31 إلى 48 جنيهًا أدى إلى زيادة تكلفة المواد الخام المستوردة بحوالي 60%، ما دفع شركات عديدة إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عنه، ثم استخدام ورقة «النواقص» لفرض معادلة سعرية جديدة على الدولة والمريض معًا.
عبيد شدد على أن غياب سياسة واضحة لتسعير الدواء وربطها بتكاليف الإنتاج الحقيقية – مع استمرار تحرير سعر الصرف – هو ما فتح الباب لهذا الابتزاز، مطالبًا بتدخل حكومي حقيقي في التسعير والرقابة على المخزون، بدل الاكتفاء بتبرير الواقع الحالي بشعار «اقتصاد السوق».
في الوقت نفسه، يرفض الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، تحميل الأطباء مسؤولية ما يجري، موضحًا أن الطبيب يكتب الدواء المتاح علميًا وفق البروتوكولات، وأن منظومة التسعير والاستيراد والتوزيع خارج سيطرته تمامًا، وأن محاولة إلقاء اللوم على «وصفات الأطباء» ليست إلا هروبًا من مواجهة جوهر المشكلة: سياسات سوق الدواء نفسها.
بهذا المعنى، فإن ما يسميه عوف «ممارسات مقصودة» لا يحدث في الفراغ، بل يجد بيئة خصبة في ظل انهيار قيمة الجنيه، وتراخي الدولة أمام الشركات الكبرى، وضعف قدرة النقابات المهنية والبرلمان على فرض قواعد شفافة تُلزم المنتجين بمسؤولياتهم تجاه المجتمع.
بين الدولار واستيراد الخام: نقابيون يحذرون من تعمُّق النواقص وظهور السوق السوداء
إلى جانب البعد السعري، يسلط أعضاء نقابة الصيادلة الضوء على جانب آخر لا يقل خطورة: الارتباط المباشر بين تعويم الجنيه وتعقّد استيراد المواد الخام والأدوية الحيوية.
الدكتور جورج عطا الله، عضو مجلس نقابة الصيادلة، أكد في أكثر من مناسبة أن تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار جعلا من «المستحيل تقريبًا» على بعض الشركات الاستمرار في استيراد أدوية بعينها أو خامات أساسية بنفس الإيقاع السابق، خصوصًا في ظل التأخر في إقرار زيادات سعرية عادلة على بعض الأصناف.
عطا الله حذّر من أن النتيجة المباشرة لذلك هي نقص حاد في أدوية لا ترف فيها، مثل أدوية السرطان، وأدوية أمراض الدم، وبعض الحقن المنقذة للحياة، مشيرًا في تصريحات أخرى إلى أن نسبة النقص في بعض أدوية الأورام وصلت إلى نحو 70% في فترات سابقة، ما خلق كارثة إنسانية لمرضى لا يحتملون تأجيل الجرعة أو تغيير البروتوكول العلاجي.
هذا الوضع فتح الباب بدوره أمام السوق السوداء. نقيب صيادلة الشرقية الدكتور عصام أبو الفتوح أوضح أن تعويم الجنيه دفع عددًا من مخازن وشركات توزيع الأدوية إلى وقف الإمداد المنتظم للصيدليات، في انتظار «استقرار الصورة»، ما أدى إلى ظهور مخازن غير مرخصة تحتكر بعض الأصناف وتعيد بيعها بأسعار مضاعفة، بينما تتفرج الأجهزة الرقابية أو تتحرك متأخرة بعد وقوع الضرر بالفعل.
النقابيون هنا يربطون بين السياسات المالية والنقدية وبين الحق في العلاج: فكل موجة تعويم جديدة، أو قفزة في سعر الدولار، لا تنعكس فقط في رقم على شاشة البنك، بل في مرضى لا يجدون دواء ضغط أو أنسولين أو حقن كيماوي في الصيدليات، ويُدفعون دفعًا إلى أبواب تجار الشنطة والسوق السوداء.
الدواء المحلي بين جودة حقيقية واستغلال فجوة «المستورد»
في خضم هذه الأزمة، يحاول الدكتور علي عوف لفت الانتباه إلى نقطة بالغة الأهمية: ليس كل نقص في صنف مستورد يعني أن المريض بلا بديل؛ فهناك العديد من المستحضرات التي تمتلك بدائل محلية فعّالة يمكنها سد احتياجات المرضى، لكن بعض الشركات – ومعها أذرع تسويق في السوق – تدفع المرضى والأطباء معًا إلى تفضيل المستورد، ثم تستغل اختفاءه من السوق للمطالبة بزيادة أسعاره بحجة «عدم وجود بديل مكافئ».
على الجانب الآخر، يذكّر الأمين العام لنقابة الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي بأن أزمة الدواء لا تقتصر على السعر أو التوفر فقط، بل تمتد إلى منظومة الرقابة على المخازن والمستشفيات، مشيرًا إلى أن تكرار وقائع سرقة أدوية الأورام والمحاليل من داخل مؤسسات حكومية وبيعها خارجيًا يعكس انهيارًا في حلقات الإشراف والمتابعة، ويحوّل الدواء من حق للمريض إلى سلعة تُسرق وتُهرّب بلا حساب.
عبد الحي يشدد على أن حماية الدواء لا تقل أهمية عن توفيره: فمريض السرطان الذي ينتظر دوره في كيس محلول أو جرعة كيماوي لا يستطيع أن يفهم «لوجستيات» الإنتاج والاستيراد، كل ما يعنيه أن يجد ما كتبه له الطبيب في موعده المحدد، دون أن يُطلب منه اللجوء إلى السوق السوداء أو قبول بديل مجهول المصدر. في السياق نفسه، يحذر الدكتور إيهاب الطاهر من أن استمرار سرقة الأدوية من المستشفيات أو تهريبها يضيف طبقة جديدة من الخطر فوق نقص الأدوية نفسه، لأن البعض قد يتجه إلى استخدام مستحضرات منتهية الصلاحية أو مخزنة بشكل خاطئ، بما يضاعف المخاطر الصحية على المرضى.
في النهاية، تتقاطع شهادات علي عوف مع مواقف النقابيين محيي عبيد وجورج عطا الله وعصام أبو الفتوح وأسامة عبد الحي لتقدم صورة واحدة: أزمة الدواء في مصر ليست قدرًا اقتصاديًا، بل نتيجة مباشرة لتحالف سيئ بين تعويم الجنيه، وتراخي الدولة في التسعير والرقابة، وممارسات شركات تضغط بالنقص لرفع الأسعار، ومنظومة رقابية عاجزة عن حماية الدواء من التسريب والاحتكار.
ما يطالب به هؤلاء ليس معجزة: شفافية في قوائم النواقص، تسعير عادل يراعي تكلفة الإنتاج دون تحويل الدواء إلى رفاهية، دعم حقيقي للدواء المحلي الجيد بدل تكسير سمعته لصالح المستورد، وتشديد الرقابة على المخازن والمستشفيات لمواجهة السوق السوداء.
من دون ذلك، سيظل المريض المصري – خاصة الفقير – يدفع ثمن «ممارسات مقصودة» لا يرى منها إلا الجانب الأكثر قسوة: روشتة في اليد ودواء غائب من الصيدلية.

