أطلق الكاتب والباحث عمار علي حسن هجومًا حادًا على السلطة الحالية، مؤكدًا أنها لم تعد تشعر بأي التزام حقيقي تجاه المجتمع، لا في الأمن ولا في الخدمات ولا في مقابل ما يدفعه الناس من ضرائب.
وقال إن ما يجري الآن هو تحويل منظومة الضرائب إلى جباية صريحة، تُفرض على المواطنين دون أن تقابلها حقوق أو خدمات، وإن كل ما يشغل الحاكم هو أمن السلطة وتعزيز مواردها، لا أمن الناس ولا حياتهم اليومية.
*السلطة الحالية لم تعد تشعر بأي التزام حيال المجتمع، إن اهتمت بالأمن فهو أمن السلطة، وليس أمن المجتمع، وإن فكرت في تعزيز مالية الدولة تلجأ إلى الضرائب، ورغم أن هذه تمثل الجزء الأكبر من الموازنة العامة فلا يترتب علي دفع الناس لها أي حقوق أو خدمات له، وهذا معناه أنها تحولت إلى… pic.twitter.com/dltXp1MNiX
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) January 31, 2026
أمن المجتمع مؤجل.. الأولوية لسلامة الكرسي لا سلامة المواطن
في تشخيصه لطبيعة الدولة تحت الحكم الحالي، يوضح عمار علي حسن أن أي حديث عن “الأمن” يجري ترجمته عمليًّا إلى أمن السلطة، لا أمن المجتمع. بمعنى أن الجزء الأكبر من الموارد والأجهزة والقرارات يوجَّه لحماية النظام من المعارضة والاحتجاج والغضب الشعبي، وليس لحماية المواطنين من الفقر والعنف والجريمة والفساد.
التجربة اليومية للمصريين تؤكد هذا المعنى؛ فالمواطن لا يشعر بأن الدولة تراه حين يتعرض للغش التجاري أو الاستغلال في الأسعار أو الإهانة في مرفق عام، لكنه يشعر بحضورها الكامل إذا انفجر غضبًا أو كتب كلمة معترِضة أو حاول أن ينظّم نفسه في كيان مستقل.
تتحرك الدولة بسرعة عندما يقترب الخطر من “هيبة السلطة”، لكنها تبدو بطيئة أو غائبة حين يكون الخطر موجّهًا إلى أمن الناس وكرامتهم وأجسادهم وأرزاقهم.
هذا الانحراف في مفهوم الأمن يخلق فجوة ثقة عميقة؛ فبدل أن يرى المواطن الدولة كحامٍ له، يراها كعين تراقبه وسيف معلّق فوق رأسه. ومع الوقت، يتكوَّن شعور عام بأن الأمن أصبح أداة للسيطرة أكثر منه خدمة عامة، وبأن حياة الناس وسلامتهم النفسية والجسدية ليست في مقدمة الأولويات ما دامت السلطة نفسها في مأمن.
الضرائب تتحول إلى جباية: المواطن يدفع.. ولا يحصل على حق
النقطة الأخطر في كلام عمار علي حسن هي توصيفه للسياسة الضريبية القائمة بأنها لم تعد تعبيرًا عن عقد اجتماعي، بل تحوَّلت إلى جباية. فالسلطة، حين تبحث عن “تعزيز مالية الدولة”، لا تراجع أولًا إنفاقها البذخي، ولا توقف مشروعات لا تعود بفائدة حقيقية على الناس، ولا تفتح ملفات الفساد والهدر، بل تتجه مباشرة إلى جيوب المواطنين: ضرائب جديدة، ورسوم إضافية، وزيادات متكررة في أسعار الخدمات الأساسية.
في النظم السليمة، الضرائب ثمَن يُدفَع مقابل خدمات وحقوق؛ يدفع المواطن ليحصل على تعليم لائق، ورعاية صحية محترمة، وبنية تحتية صالحة، وحماية قانونية، وشبكة أمان اجتماعي في أوقات الأزمات. أما في الواقع الحالي، فالمصريون يجدون أنفسهم يدفعون ضريبة على الدخل، وضريبة قيمة مضافة على كل ما يشترونه، ورسومًا على كل ورقة ومعاملة، وفواتير تتضخم شهريًّا، ثم لا يرون انعكاسًا حقيقيًّا لهذا النزيف على جودة حياتهم.
هذا الانفصال بين “الجباية” و“الخدمة” هو لبّ ما يشير إليه عمار علي حسن؛ فحين تُحصِّل الدولة الأموال من الناس دون أن تعترف لهم بحقوق متقابلة، فهي لا تتصرف كدولة مواطنة، بل كسلطة جباية. يصبح المواطن مجبرًا على الدفع تحت تهديد القانون، لكنه لا يمتلك وسيلة حقيقية لمحاسبة من ينفق هذه الأموال أو مساءلتهم عن الأولويات وكيف تُحدَّد.
سقوط فكرة الالتزام المتبادل: من دولة للمجتمع إلى سلطة فوق المجتمع
خلاصة رؤية عمار علي حسن أن السلطة الحالية لم تعد تشعر بأن هناك التزامًا متبادلًا بينها وبين المجتمع. لا ترى في نفسها ممثّلًا لإرادة الناس ولا مسؤولًا أمامهم، بل ترى نفسها كيانًا أعلى، يملك الحق المطلق في أن يفرض ما يشاء من ضرائب وقوانين وسياسات، بينما يُطلب من المواطنين الصمت والصبر وعدم الاعتراض.
هذا التحول يعني عمليًّا سقوط ما تبقى من “العقد الاجتماعي”، حتى بصورته المحدودة. فبدل معادلة: “ندفع فنُخدَم، نلتزم فيلتزمون”، صار الواقع: “ادفع واسكت، ولا تسأل أين تذهب أموالك، ولا تنتظر مقابلًا”. في ظل هذا المناخ، تتآكل فكرة الانتماء للدولة لصالح انتماءات أصغر: الأسرة، المهنة، الجماعة، أو حتى حلم الهجرة، لأن المواطن لا يعود قادرًا على رؤية نفسه شريكًا في بلد يُعامل فيه كمصدر تمويل لا كمصدر سيادة.
مجتمع يُستنزَف تحت شعار “تعزيز موارد الدولة” من غير شفافية ولا مشاركة ولا عائد حقيقي عليه، وسلطة تعتبر الأمن أمنها والمال مالها والقرار قرارها وحدها، هو مجتمع مهدد بانفجارات صامتة أو علنية.
تحذير عمار علي حسن ليس ترفًا فكريًّا، بل إنذار مبكر: إن لم تُعِد السلطة تعريف علاقتها بالمجتمع على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة، وتكف عن التعامل معه كجمهور يُجبى منه ولا يُخدَم، فإن الثمن في النهاية لن يدفعه المواطن وحده، بل ستدفعه الدولة كلها عندما تجد نفسها بلا ثقة، وبلا سند حقيقي في لحظة اختبار.

