في واحدة من أضخم عمليات الإفراج عن وثائق حسّاسة في تاريخ الولايات المتحدة، نشرت وزارة العدل الأمريكية يوم الجمعة 30 يناير 2026 أكثر من 3 ملايين صفحة جديدة من «ملفات إبستين»، إلى جانب أكثر من 2,000 مقطع فيديو و180,000 صورة، ضمن ما تقول إنه تنفيذ كامل لـ«قانون شفافية ملفات إبستين» الذي أقرّه الكونغرس ووقعه الرئيس دونالد ترمب في نوفمبر 2025.
وبذلك يرتفع إجمالي ما أُفرج عنه إلى نحو 3.5 ملايين صفحة من سجلات تحقيقات متعددة في قضايا الاستغلال الجنسي والاتجار بالقاصرات المرتبطة بالملياردير المدان جيفري إبستين، وشبكة علاقاته مع شخصيات سياسية ومالية وإعلامية حول العالم.
لكن هذا السيل من الوثائق لا يغلق الملف، بل يعيد فتحه بعنف: أسماء ثقيلة تتكرر في الرسائل والصور والسجلات، اتهامات غير موثقة تتضارب مع نفي قاطع من أصحابها، ضحايا غاضبات من كشف هوياتهن بينما تُحجب أسماء كثير من الرجال المتورطين، ونواب في الكونغرس يتهمون وزارة العدل بالتلاعب والتستّر وعدم الالتزام الكامل بالقانون.
🔴: حالياً هذا المقطع هو الاكثر تداول بالانترنت بعد كشف السرية عن ملفات أبستين الجديدة وهو يعود لعام 2009 بس ايش قصته وليش عاد للتداول ؟؟!
— MOATH | معاذ (@M0ATH) January 31, 2026
اللي بالمقطع هي عارضة أزياء مكسيكية اسمها غابرييلا ريكو خيمينيز "Gabriella Rico Jimenez" وفي عام 2009 صورت بفندق فخم في مونتيري، ووقتها كانت… pic.twitter.com/LZfhSLI2oM
دفعة غير مسبوقة: قانون للشفافية أم «تفريغ منقوص» للفضيحة؟
بحسب بيان رسمي لوزارة العدل، جاءت الدفعة الجديدة استجابة لـ«قانون شفافية ملفات إبستين» الذي يُلزم النائب العام بنشر كل الوثائق غير السرّية المتعلقة بتحقيقات الحكومة الأمريكية في قضايا إبستين، من ملفات فلوريدا ونيويورك، إلى قضية جيزلين ماكسويل، إلى التحقيق في وفاة إبستين داخل زنزانته عام 2019، وصولًا إلى تحقيقات الـFBI والتفتيش الداخلي في وزارة العدل نفسها.
تود بلانش، نائب وزير العدل، أكد أن الوزارة «أخطأت عمدًا في جانب الإفراط في جمع المواد» ثم انتهت إلى نشر أكثر من 3 ملايين صفحة تعتبرها «استجابة كاملة» لمتطلبات القانون، مع تشديده على أن البيت الأبيض لم يتدخل في عملية المراجعة أو الحذف.
لكن هذا السرد الرسمي قوبل بتشكيك واسع. ديموقراطيون في الكونغرس، إضافة إلى مجموعات تمثّل ناجيات من اعتداءات إبستين، يؤكدون أن ما أُفرج عنه لا يمثل سوى نصف ما حددته الوزارة نفسها في البداية (نحو 6 ملايين صفحة «محتملة الصلة»)، وأن أجزاء بالغة الأهمية ما زالت خارج النطاق، بينها إفادات ضحايا أمام الـFBI ومذكرات داخلية تتعلق بقرارات عدم ملاحقة شركاء محتملين.
🔴: حالياً هذا المقطع هو الاكثر تداول بالانترنت بعد كشف السرية عن ملفات أبستين الجديدة وهو يعود لعام 2009 بس ايش قصته وليش عاد للتداول ؟؟!
— MOATH | معاذ (@M0ATH) January 31, 2026
اللي بالمقطع هي عارضة أزياء مكسيكية اسمها غابرييلا ريكو خيمينيز "Gabriella Rico Jimenez" وفي عام 2009 صورت بفندق فخم في مونتيري، ووقتها كانت… pic.twitter.com/LZfhSLI2oM
الوثائق نفسها تعكس هذا الالتباس: صفحات كاملة محذوفة، مقاطع ضخمة مشطوبة، ترتيب فوضوي للمواد، ومزيج من أدلة حقيقية، وشكاوى من مجهولين، ومزاعم غير موثّقة تعترف وزارة العدل بأنها تتضمن «ادعاءات كاذبة وسَنسَنية» ضد شخصيات عامة، بعضها استُخدم سياسيًا في أجواء انتخابات 2020.
مع ذلك، تظل دلالة هذه الدفعة أن الدولة الأمريكية، تحت ضغط الرأي العام والقانون، اضطرت إلى إخراج جزء ضخم من «غرفة الأسرار» إلى الضوء، مع الإقرار بأن بعض الصور والمواد الإباحية حُجبت لأنها تُعامل كل النساء الظاهرات فيها كضحايا.
أسماء ثقيلة على خط النار: غيتس، الأمير أندرو، باراك، ماسك وبانون بين النفي والحرج السياسي
من بين أكثر ما أثار ضجة في الوثائق الجديدة، المسودات البريدية المنسوبة لإبستين والتي تتضمن مزاعم صادمة بحق الملياردير بيل غيتس؛ إذ تتهمه هذه الرسائل، المكتوبة عام 2013، بأنه أصيب بمرض منقول جنسيًا من «فتيات روسيات»، وحاول إخفاء الأمر عن زوجته السابقة ميليندا، بل وتطلب – بحسب صياغة إبستين – مضادات حيوية تُعطى لها «سرًا».
هذه الرسائل قُدّمت كما لو كانت مكتوبة من مستشار غيتس السابق بوريس نيكوليك، لكن لا دليل على أنه كتبها فعلاً أو علم بمحتواها.
كانت في العاشرة من عمرها عندما اختطفت لجزيرة #ابستين
— Ayat oraby (@ayaa00) February 1, 2026
إحدى ضحايا ابستين تقول، تعرضتُ للاغتصاب ثلاث مرات يوميًا، ولم أكن الفتاة الوحيدة. لقد كانت سلسلة متواصلة من الانتهاكات."
نحن محكومون من قِبل الوحوش التي تقف وراء هذا.
يجب تدمير النظام بأكمله
صدقتي هؤلاء وحوش يخجل الشيطان… pic.twitter.com/luFBaWDp1f
غيتس، عبر متحدث باسمه، ردّ بلهجة حادة، واصفًا الاتهامات بأنها «سخيفة وكاذبة بالكامل» وأنها تعبّر فقط عن «محاولة من إبستين – الذي ثبت أنه كاذب حاقد – لتشويه سمعته بعد أن أنهى أي علاقة به». كما شدد على أن هذه المزاعم غير مدعومة بأي دليل مستقل، وأن وجودها في ملفات إبستين لا يجعلها أكثر من ادعاءات منسوبة لمجرم مدان.
الوثائق تكشف أيضًا مزيدًا من التفاصيل المحرجة حول علاقة إبستين بالأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن-ويندسور؛ من بينها رسائل مع سارة فيرغسون، طليقة الأمير، تشكره فيها عام 2009 وتصفه بأنه «الأخ الذي تمنّت دائمًا أن يكون لديها»، وتلمّح إلى استعدادها للمساعدة في تحسين صورته بعد إدانته الأولى عام 2008.
كما تظهر مواد أخرى أنه زار قصر باكنغهام بعد خروجه من الحبس المنزلي، وأن صورهما في أوضاع حميمية نسبيًا تعود إلى فترة ما بعد إدانته.
🚨 عاجل - وزارة العدل الأمريكية :
— فضائح جيڤري ابيستن (@aldwsry15128) January 31, 2026
تم نشر ملفات جديدة لقضية جيفري إبستين :
- 3 ملايين صفحة من الوثائق.
- 2000 مقطع فيديو جديد.
- 180،000 صورة جديدة …
جاري العمل على مراجعتها و تفريغها …
وسيتم نشرها هنا 👇 تباعاً … يتبع .. pic.twitter.com/SOtP0FmVle
وفي بُعد أكثر حساسية، تتضمّن رسائل متبادلة بين إبستين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، يرد فيها ذكر «الموساد» مرتين على الأقل؛ حيث يطلب إبستين من باراك عام 2018 أن يوضح علنًا أنه لا يعمل لصالح جهاز الاستخبارات، وفي رسالة أخرى يسأله ما إذا كان قد طُلب منه المساعدة في العثور على «عملاء موساد سابقين» لإجراء «تحقيقات قذرة». باراك لم يجب كتابيًا على هذه النقطة تحديدًا، مكتفيًا بطلب التحدث هاتفيًا، في وقت تؤكد فيه تقارير إعلامية أنه قضى عدة فترات في شقة إبستين بنيويورك وزار جزيرته الخاصة.
الوثائق تعيد كذلك تسليط الضوء على تواصل إبستين مع إيلون ماسك عامي 2012–2013 بشأن زيارة جزيرته الخاصة في الكاريبي، مع رسائل يسأل فيها إبستين عن عدد من سينقلهم بالمروحية، وردّ من ماسك يشير إلى أن الحضور سيكون غالبًا هو وشريكته فقط، مع سؤال ساخر عن «أضخم حفلة في الجزيرة». لا توجد في الوثائق ما يؤكد أن الزيارة تمت فعلاً، بينما يصرّ ماسك علنًا على أنه لم يزر الجزيرة ولم يطِر مع إبستين.
🚨 The world is run by child rapists! This video, from one of the US Department of Justice files, shows underage girls on Epstein's island who were sexually assaulted, then strangled to death and cannibalized.#ابستين #EpsteinFiles pic.twitter.com/20CgD1ynEs
— alex🇮🇶 (@lymmd1290671) January 31, 2026
كما تكشف المواد عن دعوات ولقاءات مع شخصيات أخرى، مثل وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، الذي تظهر رسائل تشير إلى زيارته الجزيرة مع زوجته وأطفاله عام 2012، قبل أن يعلن لاحقًا – بعد تفجّر الفضيحة – أنه قطع علاقته بإبستين منذ سنوات ويصفه بأنه «مقرف».
إلى جانب ذلك، توثّق الرسائل مئات التبادلات بين إبستين وستيف بانون، المستشار السابق لدونالد ترمب، حول السياسة والسفر وفكرة إنتاج فيلم وثائقي لتحسين صورة إبستين، إضافة إلى إشارات متكررة لترمب وبيل كلينتون وشخصيات أخرى، مع تأكيد متكرر في تغطيات إعلامية رسمية أن مجرد ذكر الأسماء أو ظهور صور مع إبستين «لا يعني إطلاقًا الإدانة أو حتى العلم بجرائمه».
ضحايا مكشوفون وجلّادون مخفيون: اتهامات بالتستّر واستمرار المعركة
ورغم حجم ما كُشف، فإن أكثر ما يثير الغضب اليوم هو شعور الضحايا بأن الدولة ما زالت تحمي الرجال المتنفذين أكثر مما تحمي الناجيات. مجموعة تضم 18 من ضحايا إبستين قالت في بيان مشترك إن الوثائق المنشورة «لا تكفي لمحاسبة شركائه في الجريمة»، وإنها تعيد إنتاج الظلم بشكل مقلوب: تُكشف أسماء الضحايا وتفاصيل حياتهم، بينما تبقى أسماء كثير ممن استغلوهن «مخفية ومحميّة».
ووصفت ذلك بأنه «أمر فظيع»، مؤكدة أن القضية لم تُغلق بعد وأنهن سيواصلن النضال حتى محاسبة جميع المتورطين.
ولي الأمر محمد بن سلمان وأميره #ترامب كانا يأكلان البشر في جزيرة #إبستين 👇
— سعيد العنزي (@saed_anzy) February 1, 2026
لعنة الله عليكم يا نفايات البشر🤮🤮#الامارات pic.twitter.com/vxZhbjIldZ
الوثائق تتضمن أيضًا تفاصيل جديدة حول ملابسات وفاة إبستين داخل زنزانته في أغسطس 2019؛ من بينها رسائل بين محققي وزارة العدل يشير أحدهم فيها إلى أن آخر رسالة كتبها إبستين لا تشبه بالمرة «رسالة انتحار»، في تناقض مع الخلاصة الرسمية التي اعتبرت الوفاة «انتحارًا» بعد تحقيقات متعددة.
كما تكشف السجلات عن «خدعة» استخدمها موظفو السجن لإبعاد الصحافة، عبر شاحنة وهمية تحمل ما يبدو أنه جثمان، بينما نُقل الجثمان الحقيقي في مركبة أخرى بهدوء.
خلاصة ما تتيحه هذه الدفعة من الملفات أن شبكة إبستين لم تكن مجرد رجل واحد منحرف، بل كانت عقدًا متشابكًا من العلاقات والمصالح مع رجال سياسة وأعمال وإعلام على مستوى عالمي، وأن كثيرًا من هذه العلاقات كان يقوم على تبادل الخدمات والمعلومات والمال والسمعة.
لكن في المقابل، تبقى الحقيقة منقوصة: ملايين الصفحات ما زالت في الأدراج، ومساحات واسعة في الملفات الحالية ما زالت سوداء بالحذف، والضحايا يشعرن بأن النظام القضائي يكشفهن أكثر مما يحميهن، بينما يصرّ المسؤولون على أن ما جرى هو «أقصى ما تسمح به الشفافية».
هذه الفجوة بين ما كُشف وما أُخفي، بين فضيحة بحجم كوكب وشبكة متنفّذين لا تزال بمعظمها في الظل، هي التي تجعل «ملفات إبستين» أشبه بمرآة قاتمة للنظام العالمي نفسه: يرى فيها الناس لمحة من قذارته، لكنهم يدركون في الوقت ذاته أن ما وراء المرآة ما زال أكبر وأخطر بكثير مما نُشر حتى الآن.

