تصريح أحمد موسى بأن 2011 كانت “احتفالات” في التحرير بينما “الإثيوبيون والأميركيون” يبنون السد، ليس تحليلًا بقدر ما هو مناورة لتبرئة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي عبر تحميل المسؤولية لثورةٍ مضت. الحقيقة الأهم أن إثيوبيا أعلنت المشروع وبدأت البناء فعليًا في أبريل 2011، عبر تعاقدات مع مقاولين دوليين، بينما كانت مصر في مرحلة انتقال سياسي مرتبك لا يملك أدوات حسم أو استراتيجية تفاوض متماسكة.
لكن الأخطر—وهو ما يتجاهله موسى عمدًا—أن الأزمة لم تتوقف عند “البداية”، بل تحولت إلى ملف ممتد لسنوات، وفي قلبه محطة مفصلية في عهد السيسي: توقيع “إعلان المبادئ” في مارس 2015، وهي الخطوة التي يرى كثير من الخبراء أنها منحت المشروع مظلة سياسية وقانونية أوسع، وفتحت الباب لتآكل أوراق الضغط المصرية بينما كانت الخرسانة ترتفع على الأرض.
2011 ليس شماعة: السد بدأ فعلاً.. لكن رواية “الأميركيين يبنون” مضللة
نعم، البناء بدأ في 2011، وهذا ثابت في الجداول الزمنية المنشورة عن المشروع: الإعلان والبدء ووضع حجر الأساس كانا في ربيع 2011، وبعدها توالت مراحل التنفيذ.
لكن إدخال كلمة “الأميركيين” هنا ليس بريئًا؛ هو تضليل لصناعة انطباع أن مصر كانت تواجه “تحالفًا أمريكيًا-إثيوبيًا” منذ البداية وأن اللوم كله يقع على لحظة الثورة. بينما الوقائع المتداولة عن التعاقدات تشير إلى دور المقاول الإيطالي (ساليني/ويبيلد) في التنفيذ، وليس “عمالًا أميركيين يبنون السد” كما يوحي موسى.
والأهم: حتى لو سلّمنا بأن 2011 شهد ضعفًا مصريًا بسبب الاضطراب الداخلي، فذلك لا يفسر لماذا استمرت السياسة المصرية في الدوران داخل دائرة تفاوض بلا نتيجة، ولماذا قُدّمت “تنازلات شكلية” سمحت للوقت أن يعمل لصالح إثيوبيا عامًا بعد عام.
عقدة السيسي: إعلان مبادئ 2015 منح الوقت والغطاء.. بينما الخطر كان يتجسد
في مارس 2015، وقع السيسي مع إثيوبيا والسودان “إعلان المبادئ” في الخرطوم. الوثيقة موجودة بنصها وتؤكد مبادئ مثل التعاون، وعدم إحداث ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف، وتبادل المعلومات، والتسوية السلمية للنزاعات.
هنا بيت القصيد الذي يتجاهله أحمد موسى: كثير من المنتقدين رأوا أن الوثيقة لم توقف البناء ولم تفرض آلية ملزمة لملء وتشغيل السد، وأنها عمليًا منحت إثيوبيا “اعترافًا سياسيًا” بالمشروع مع استمرار التنفيذ على الأرض، ثم تحولت لاحقًا إلى ورقة تُستخدم في الخطابات بينما تواصل أديس أبابا خطوات أحادية. حتى تقارير ومتابعات دولية أشارت إلى أن إعلان 2015 كان محطة أساسية في مسار النزاع.
وبينما كان موسى يفتش عن “كبش فداء” اسمه 2011، كانت السنوات التالية تُدار بمنطق شراء الوقت بالشعارات: جولات تفاوض متكررة، وبيانات تهدئة، ووعود “حل قريب”، ثم واقع مائي يزداد تعقيدًا مع كل مرحلة بناء وملء.
موسى يهاجم التحرير ليحمي السلطة.. والملف يُدار كدعاية لا كأمن قومي
أحمد موسى لا يقدم وثائق ولا يعرض محطات تفاوضية ولا يشرح لماذا لم تخرج مصر باتفاق ملزم رغم أن الملف ظل مفتوحًا طوال عهد السيسي. هو يختصر كل شيء في لقطة واحدة: “التحرير كان يحتفل”، وكأن الأمن القومي يُختزل في نشرة لوم للتاريخ.
بينما الوقائع تقول إن الأزمة استمرت وتفاقمت بعد 2014، ومعها تحول الخطاب الرسمي إلى مزيج من التهوين حينًا والتصعيد الكلامي حينًا آخر، دون نتائج توازي حجم الخطر. وحتى في تغطيات مصرية لاحقة، ظل إعلان المبادئ 2015 حاضرًا كمرجعية في النقاش حول “الالتزام” و”الخرق” و”الأحادية”.
الخلاصة أن موسى لا يدافع عن “الحقيقة” بل عن رواية حماية السيسي، يلقي المسؤولية على 2011 ليغسل يد المنقلب من محطات لاحقة أكثر تأثيرًا. أما “أدلة دور السيسي” فلا تحتاج إلى تسريبات ولا نظريات: الدليل الأوضح هو التوقيع السياسي العلني على إعلان مبادئ لم يوقف البناء ولم يُنتج اتفاقًا ملزمًا، ثم سنوات كاملة من إدارة الملف بلا اختراق بينما السد أصبح أمرًا واقعًا.

