أصدرت المحاكم التونسية خلال الأشهر الماضية سلسلة أحكام قاسية بالسجن بحق قيادات سياسية معارضة، بعضها يصل إلى عشرات السنوات، في ما يعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”. هذه الأحكام التي طالت سياسيين تجاوز بعضهم السبعين والثمانين من العمر أثارت موجة انتقادات حادة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، وسط اتهامات مباشرة للرئيس قيس سعيّد باستخدام القضاء لتصفية خصومه السياسيين وإنهاء أي نشاط حزبي معارض في البلاد.

 

أحكام قاسية تطال قيادات المعارضة

 

بدأت القضية عندما أوقفت السلطات التونسية في فبراير 2023 عدداً من السياسيين والمحامين ونشطاء المجتمع المدني، ووجهت إليهم اتهامات تتعلق بمحاولة تقويض أمن الدولة والتخابر مع جهات أجنبية والتحريض على الفوضى وتبييض الأموال. محامو المتهمين نفوا هذه الاتهامات واعتبروها ذات طابع سياسي.

 

وفي 28 نوفمبر 2025 أصدرت محكمة الاستئناف بتونس أحكاماً نهائية بالسجن تراوحت بين 10 و45 عاماً بحق عدد من المتهمين في القضية. ومن بين المحكومين الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك، والقيادي في حركة النهضة نورالدين البحيري، حيث قضت المحكمة بسجن كل واحد منهم 20 عاماً.

 

كما أصدرت المحكمة في ديسمبر 2025 حكماً بالسجن 12 عاماً بحق رئيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة أحمد نجيب الشابي الذي يبلغ من العمر 81 عاماً. وفي فبراير الماضي رفعت محكمة الاستئناف الحكم ضد رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي إلى 20 سنة بعد أن كانت محكمة ابتدائية قضت بسجنه 14 سنة.

 

بهذه الأحكام يصل مجموع العقوبات الصادرة بحق الغنوشي إلى نحو 50 عاماً في قضايا مختلفة، من بينها حكم بالسجن 22 عاماً في قضية شركة الإنتاج الإعلامي المعروفة باسم إنستالينغو.

 

الخبير القانوني التونسي عياض بن عاشور يرى أن خطورة هذه الأحكام لا تكمن فقط في مدتها الطويلة، بل في السياق السياسي الذي صدرت فيه. ويقول إن تحويل قضايا سياسية إلى ملفات جنائية ضخمة بعقوبات ثقيلة يعكس توجهاً لتضييق المجال السياسي وإخراج المعارضة من المشهد العام.

 

المعارضة تتحدث عن “أحكام إعدام بطيئة”

 

القيادي في جبهة الخلاص الوطني رياض الشعيبي اعتبر أن الأحكام التي صدرت بحق المعارضين، خاصة كبار السن، لا يمكن فهمها إلا باعتبارها عقوبات تهدف إلى إنهاء حياتهم السياسية وربما الجسدية داخل السجون.

 

وقال الشعيبي إن الحكم على أشخاص تجاوزت أعمارهم السبعين والثمانين بالسجن 20 أو 30 أو حتى 50 سنة هو في الحقيقة حكم بالإعدام. فهذه الأحكام لا تراعي أوضاعهم الصحية ولا أعمارهم المتقدمة.

 

ويرى الشعيبي أن ما يحدث يعكس رغبة واضحة في التنكيل بالمعارضة وإقصائها نهائياً من الحياة السياسية. ويضيف أن العقوبات التي صدرت لا تتناسب مع طبيعة القضايا السياسية التي يحاكم بسببها هؤلاء المعارضون.

 

من جهته يؤكد الباحث في الشأن السياسي حمادي الرديسي أن ما يجري في تونس يمثل تحولا خطيرا في العلاقة بين السلطة والقضاء. ويقول إن تحويل التنافس السياسي إلى معركة قضائية بعقوبات طويلة يخلق مناخاً سياسياً مغلقاً ويقضي على أي إمكانية لوجود معارضة منظمة.

 

الرديسي يرى أن استهداف شخصيات سياسية بارزة بأحكام ثقيلة يبعث رسالة واضحة إلى بقية القوى السياسية بأن العمل المعارض قد يقود إلى السجن لسنوات طويلة.

 

القضاء في قلب الصراع السياسي

 

يرى مراقبون أن قضية “التآمر على أمن الدولة” أصبحت واحدة من أكبر القضايا السياسية في تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021 عندما جمّد البرلمان وأعاد تشكيل النظام السياسي في البلاد.

 

هذه القضية شملت طيفاً واسعاً من الشخصيات السياسية والحقوقية، بينهم قيادات أحزاب معارضة ومحامون وناشطون في المجتمع المدني. السلطات تقول إن المتهمين تورطوا في مخطط يهدف إلى تقويض الدولة والتعاون مع أطراف خارجية.

 

لكن منظمات حقوقية وعدداً من الخبراء القانونيين يرون أن الاتهامات ذات طابع سياسي وأنها تُستخدم لتبرير حملة واسعة ضد المعارضة.

 

الخبير في القانون الدستوري سليم اللغماني يقول إن توسع استخدام تهم مثل “التآمر على أمن الدولة” في قضايا سياسية يهدد مبدأ المحاكمة العادلة. ويضيف أن هذه التهم عادة ما تكون واسعة وغامضة، ما يسمح بتفسيرها بشكل فضفاض ضد الخصوم السياسيين.

 

اللغماني يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأحكام الصادرة، بل أيضاً بالمناخ السياسي الذي تُدار فيه المحاكمات. فعندما تُطرح القضايا السياسية أمام القضاء في سياق صراع سياسي حاد، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن العدالة تسير بشكل مستقل.

 

ويرى معارضون أن هذه الأحكام قد تؤدي إلى إغلاق المجال السياسي في تونس بشكل غير مسبوق منذ ثورة 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

 

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا المسار قد يدفع البلاد إلى مرحلة جديدة من الاحتقان السياسي، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع الثقة بين السلطة والمعارضة.

 

وفي ظل هذه التطورات تبقى قضية المعتقلين السياسيين واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد التونسي اليوم، حيث تتقاطع فيها أسئلة العدالة مع مستقبل الحياة السياسية في البلاد.