جاءت تصريحات الإعلامي أحمد موسى في برنامجه «على مسئوليتي» لتفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول وظيفة الإعلام في لحظة أزمة، بعدما قدّم حلقة شبه كاملة على هيئة «وصلة مديح» لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، في توقيت تتصاعد فيه الانتقادات الشعبية والبرلمانية لأداء الحكومة على خلفية الانهيار المعيشي وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الجنيه.

 

الإشادة لم تتوقف عند الدفاع عن السياسات أو محاولة شرح القرارات، بل ذهبت إلى التوصيف الشخصي والأخلاقي: «محترم»، «خلوق»، «جدع»، مع التأكيد على أن مدبولي «لا يفعل شيئًا سوى العمل» وأنه «متابع لكل ملف» ولا يغيب عنه شيء، في محاولة واضحة لإعادة تقديم الرجل للرأي العام بوصفه «موظفًا مثاليًا» أكثر منه رئيس حكومة يتحمل مسؤولية سياسية عن نتائج كارثية يشعر بها المواطن يوميًا.

 

سياق معاكس: غضب من أداء الحكومة لا انتظارًا لمديحها

 

ما يجعل حلقة أحمد موسى لافتة، ليس مضمونها فقط، بل التوقيت الذي جاءت فيه. فالساحة المصرية تشهد في الفترة الأخيرة حالة من التململ الواضح تجاه حكومة مدبولي، تجلّت في:

 

  • انتقادات متكررة داخل البرلمان لأداء الحكومة في ملفات التموين، والصحة، والنقل، والخدمات الأساسية.
  • غضب شعبي واسع من موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وازدياد أعباء فواتير الخدمات، دون تحسن ملموس في جودة هذه الخدمات.
  • إحساس عام بأن السياسات الاقتصادية القائمة – القائمة على الاقتراض الخارجي والتوسع في المشروعات الكبرى – لم تنعكس على حياة الناس إلا في صورة تضخم وقلة فرص عمل حقيقية.

 

في هذا السياق، كان المتوقع – منطقيًا – أن يدور النقاش الإعلامي حول سؤال: هل فشلت الحكومة؟ وهل حان وقت التغيير؟

 

لكن ما حدث هو العكس؛ إذ تحوّلت الحلقة إلى منصة للدفاع عن بقاء مدبولي، عبر التركيز على اجتهاده الشخصي وصبره في العمل، بدلًا من مناقشة الفاتورة التي يدفعها المواطنون مقابل هذه السياسات.

 

بهذه الطريقة، يتجاهل الخطاب الإعلامي محور الأزمة الحقيقي: النتائج على الأرض، ويتعامل مع المشكلة بوصفها «سوء فهم» أو «تجنيًا على رجل يعمل كثيرًا»، لا كأزمة إدارة وقرارات أثبت الواقع فشلها.

 

الإعلام كأداة تمهيد سياسي لا كمنبر رقابة

 

خطاب أحمد موسى لا يمكن اعتباره «رأيًا شخصيًا» لإعلامي، بقدر ما يندرج ضمن نمط ثابت في الإعلام الموالي للسلطة في مصر؛ حيث تتحول بعض البرامج إلى أدوات تمهيد سياسي قبل اتخاذ قرارات أو تثبيت خيارات معينة.

 

حين يكرر موسى أن مدبولي «يحظى بثقة الرئيس» وأن الرئيس «يحب الناس اللي بتشتغل»، فإن الرسالة الأساسية التي تُبث ليست موجهة للمشاهد العادي فقط، بل للنخب أيضًا:

 

  • معيار التقييم ليس نجاح السياسات أو فشلها، بل درجة رضا الرئيس عن المسؤول.
  • المطالبة بتغيير الحكومة أو إقالة رئيسها تصبح – ضمنيًا – نوعًا من «الجرأة» على اختيارات الرئيس نفسه، لا نقاشًا مشروعًا حول إدارة الشأن العام.

 

بهذه الآلية، يتحول الإعلام من سلطة رقابة ومساءلة إلى خط دفاع أول عن بقاء السلطة التنفيذية، يقوم بعدة وظائف:

 

  • نزع الشرعية عن مطالب التغيير عبر تصويرها كحملة غير منصفة ضد رجل «مجهد ومخلص».
  • تشويه صورة المنتقدين أو التقليل من وعيهم، بوصفهم لا يعرفون حجم «التحديات» التي تواجه الحكومة.
  • تهيئة الرأي العام لتقبّل استمرار الحكومة، عبر تكرار فكرة أنه «لا بديل جاهز» وأن التغيير الآن مغامرة غير محسوبة.

 

في هذا الإطار، لا يقدّم البرنامج معلومات جديدة عن خطط اقتصادية أو إصلاحات حقيقية، بل يقدّم «سيرة ذاتية عاطفية» عن شخص رئيس الوزراء، تغلّف الواقع القاسي بغلالة من الكلام الإيجابي الذي لا يغيّر شيئًا في السوق أو الأسعار أو الأجور.

 

من تقييم السياسات إلى تلميع الأشخاص: حدود الخطاب في اختبار الشارع

 

اللافت أن كامل خطاب موسى تقريبًا انصرف إلى صفات مدبولي الشخصية: رجل يعمل في صمت، لا يحب الظهور، موجود من الصباح حتى الليل في مكتبه، يتابع كل ملف، لا ينام إلا ساعات قليلة… إلخ.

 

هذا النوع من الكلام يتعمّد القفز فوق جوهر السؤال:

 

  • هل تراجع التضخم؟
  • هل تحسّنت قيمة الجنيه؟
  • هل زادت فرص العمل الحقيقية؟
  • هل لمس المواطن البسيط أثرًا إيجابيًا للسياسات الحكومية؟

 

الانتقال من سؤال النتائج إلى سؤال النوايا والصفات يعني عمليًا دفع النقاش العام بعيدًا عن السياسة والاقتصاد، وإحالته إلى منطقة أخلاقية وإنسانية: «هل الرجل طيب ويجتهد؟» بدلًا من «هل ما يفعله ناجح أم فاشل؟».

 

لكن هذا الخطاب يواجه واقعًا عنيدًا:

 

  • المواطن يسمع في التلفزيون عن رئيس حكومة «لا يكل ولا يمل»، ثم يذهب إلى السوق فيجد أسعارًا لا ترحم.
  • يسمع أن الحكومة «تعمل ليلًا ونهارًا من أجله»، ثم يصطدم بفاتورة كهرباء أو دواء أو تعليم لا يقدر على دفعها.

 

في هذه النقطة، يصبح تأثير «التلميع الإعلامي» محدودًا مهما تكرر؛ لأن تجربة الحياة اليومية أقوى من أي برنامج توك شو. يمكن للإعلام أن يجمّل صورة مسؤول لبعض الوقت، لكن لا يمكنه أن يملأ ثلاجة فارغة أو يخفض إيجارًا مرهقًا أو يعيد قيمة ضاعت من راتب لا يكفي نصف الشهر.

 

لذلك، فإن حلقة أحمد موسى – بكل ما فيها من مديح – تعكس في حقيقتها أزمة ثقة أعمق:

 

  • ثقة مفقودة في أن الإعلام ينقل الواقع كما هو، لا كما تريد السلطة أن يُرى.
  • وثقة متآكلة في أن الحكومة قادرة فعليًا على تغيير المعادلة الاقتصادية لصالح الأغلبية.

 

في النهاية، قد ينجح هذا النوع من الخطاب في إرسال رسالة «اطمئنان» إلى دوائر القرار بأن الإعلام يؤدي دوره في الدفاع عن الخيارات الحالية، لكنه لا يضمن بحال أن يقنع الشارع بأن حكومة مصطفى مدبولي تستحق البقاء لمجرد أن أحمد موسى قال إنها «محترمة وجدعة وتعمل كثيرًا»؛ فحكم الناس في لحظات الأزمات لا يُبنى على الأوصاف، بل على حجم الألم في حياتهم اليومية، وهذا ما لن يغطيه أي قدر من التلميع الإعلامي.