أنهى عمال شركة السكر والصناعات التكاملية المصرية موجة الاحتجاجات والإضرابات التي اندلعت مؤخرًا في عدد من مصانع الشركة، بعد اتفاق غير معلن على منح الإدارة مهلة جديدة لتنفيذ مطالبهم العالقة، وذلك بالتزامن مع بدء موسم الإنتاج الذي يُعد شريانًا حيويًا لقطاع السكر في مصر.
وبحسب إفادات عمال من مصنعي نجع حمادي ودشنا بمحافظة قنا، فإن قرار تعليق الإضراب جاء في إطار الحرص على عدم تعطيل عجلة الإنتاج، مع استمرار الضغط لتحقيق مطالب طال انتظارها، وعلى رأسها تطبيق الحد الأدنى للأجور وزيادة نسبة الأرباح السنوية إلى ما يعادل 60 شهرًا، في ظل تصاعد الأعباء المعيشية وتراجع القوة الشرائية للأجور.
في المقابل، استمر العمل في مجمع مصانع الحوامدية بمحافظة الجيزة بصورة طبيعية، دون تنظيم وقفات احتجاجية، في خطوة عُدّت مؤشرًا على رغبة العمال في إعطاء فرصة أخيرة للإدارة لتنفيذ تعهداتها، بعد أسابيع من التوتر والتصعيد.
قرارات إدارية.. وتباين في تقييمها
من جانبها، أعلنت إدارة الشركة، في بيان رسمي، عن موافقة الجمعية العمومية المنعقدة الخميس الماضي على حزمة من القرارات التي سبق أن أعلنتها وزارة التموين، الجهة التابعة لها الشركة منذ عام 2014.
وشملت القرارات زيادة نسبة الأرباح والحوافز السنوية من 42 شهرًا إلى 45 شهرًا، ورفع بدل الوجبة بقيمة 500 جنيه، إلى جانب زيادة الحافز بنسبة 25% من الراتب الأساسي.
كما أقرت الجمعية صرف مكافأة تميز لفئات واسعة من العاملين، من بينهم العاملون بنظام اليومية، والعقود المؤقتة، والعاملون فوق السن القانونية، فضلًا عن الممرضين العاملين بنظام الشيفت في المركز الطبي التابع للشركة.
ورغم الترحيب الحذر بهذه القرارات، يرى عدد من العمال أنها لا ترقى إلى مستوى المطالب الأساسية التي خرجوا من أجلها، معتبرين أن الزيادات المعلنة “جزئية” ولا تعكس حجم الجهد المبذول ولا طبيعة المخاطر المرتبطة بالعمل في مصانع السكر.
خلفية الاحتجاجات ومسار التصعيد
وكانت احتجاجات عمال “السكر” قد بدأت السبت الماضي، بإضرابات متزامنة في أربعة مصانع رئيسية، شملت مجمع الحوامدية بالجيزة، ومصنعي إدفو بمحافظة أسوان، ودشنا ونجع حمادي بمحافظة قنا.
وجاء التصعيد احتجاجًا على عدم صرف أرباح العام الماضي، بعد تأجيل انعقاد الجمعية العمومية لأجل غير مسمى، قبل أن تُعلن الإدارة لاحقًا موعد انعقادها.
ولم تكن هذه الاحتجاجات الأولى من نوعها، إذ شهدت الشركة في أواخر أغسطس الماضي موجة احتجاجات واسعة استمرت نحو 20 يومًا، للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل.
وشملت تلك التحركات وقفات احتجاجية وإضرابات في محافظات قنا والأقصر والجيزة، وكان أبرزها إضراب عمال مصنعي إدفو وكوم أمبو بأسوان.
وانتهت تلك الاحتجاجات حينها بعد وعود من الإدارة بتنفيذ جزء من المطالب خلال شهر، واستكمال بقية المطالب خلال ثلاثة أشهر، مع إبلاغ العمال بوصول ملف مصانع السكر إلى رئاسة الجمهورية لدراسته.
غير أن عمالًا أكدوا لاحقًا أن معظم تلك الوعود لم تُنفذ، ما أسهم في تجدد حالة الغضب.
تداعيات إنسانية وإدارية
وعلى خلفية الاحتجاجات السابقة، فصلت إدارة الشركة في الجيزة ثلاثة عمال خلال شهر سبتمبر الماضي، وفق شهادات أحد المفصولين، في خطوة أثارت استياءً واسعًا بين صفوف العاملين.
كما شهد مصنع كوم أمبو في نوفمبر الماضي واقعة صادمة، تمثلت في محاولة انتحار أحد العمال من أعلى أحد مراجل الشركة، بعد نقله تعسفيًا من موقعه الوظيفي، عقب سؤاله رئيس الشركة عن موعد تنفيذ المطالب، بحسب روايات زملائه.
هذه الوقائع ألقت بظلال ثقيلة على المشهد العمالي داخل الشركة، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول أساليب الإدارة في التعامل مع الاحتجاجات، ودور الجهات الرسمية في حماية حقوق العمال.
بين الطموحات الاقتصادية وأزمة التسعير
اقتصاديًا، تستهدف شركة السكر والصناعات التكاملية، بحسب تصريحات إعلامية لرئيسها التنفيذي صلاح فتحي، تحقيق إيرادات إجمالية تُقدّر بنحو 55 مليار جنيه خلال العام المالي المقبل، بمعدل نمو يصل إلى 25% مقارنة بالعام الحالي.
غير أن مصادر داخل الشركة تشير إلى أن هذه الإيرادات تتآكل بفعل الفجوة الكبيرة بين تكلفة إنتاج كيلو السكر، التي تُقدّر بنحو 35 جنيهًا، والسعر الذي تحصل عليه الشركة من وزارة التموين مقابل كيلو السكر المدعم، والذي لا يتجاوز 12 جنيهًا، ما يضع الشركة أمام معادلة معقدة بين الاستمرار في دعم السلعة الاستراتيجية والحفاظ على حقوق العاملين.
مهلة مشروطة وانتظار مفتوح
وبينما تُطوى صفحة الإضراب مؤقتًا، يؤكد العمال أن تعليق الاحتجاجات لا يعني التراجع عن المطالب، بل هو “مهلة مشروطة” ستُقيَّم نتائجها خلال الفترة المقبلة.
وفي حال عدم الالتزام بتنفيذ الوعود، لا يستبعد العمال عودة التصعيد بأشكال مختلفة، في ظل ما يعتبرونه صراعًا مفتوحًا بين متطلبات الإنتاج وحقوق العاملين.

