أعاد تداول امتحانات الشهادة الإعدادية في محافظات الجيزة والمنوفية وأسيوط، أمس الخميس، فتح ملف أزمات التعلي من جديد، بعدما تحولت وقائع الغش وتسريب الأسئلة من أحداث استثنائية إلى ظاهرة متكررة تتجدد مع كل موسم امتحانات، في مشهد يعكس خللًا هيكليًا عميقًا داخل منظومة يفترض أنها تخضع لإصلاح شامل منذ سنوات.

فبعد دقائق قليلة من بدء اللجان، انتشرت على نطاق واسع صور لأسئلة وإجابات امتحانات مادتي اللغة العربية والعلوم عبر مجموعات مغلقة على تطبيقي «تليجرام» و«فيسبوك»، في المحافظات الثلاث، ما فجّر موجة غضب وتساؤلات بين أولياء الأمور والمعلمين حول جدوى الإجراءات الأمنية المعلنة، وقدرة الإدارات التعليمية على ضبط سير الامتحانات.

تسريب متكرر وسيناريو واحد
المشهد تكرر بذات التفاصيل المعتادة: صور ملتقطة من داخل اللجان، إجابات مكتوبة بخط اليد، نشر سريع عبر وسائل التواصل، ثم بيانات رسمية من المديريات التعليمية تتحدث عن «فتح تحقيقات عاجلة» و«تتبع مصدر التسريب»، دون إعلان نتائج حاسمة أو إجراءات رادعة تُغلق الباب أمام تكرار الواقعة.

في الجيزة، جرى تداول نموذج كامل لامتحان اللغة العربية مصحوبًا بإجابات بعد أقل من 20 دقيقة من بدء اللجنة.

وفي المنوفية، رصد أولياء أمور تداول صور من امتحان العلوم التُقطت بهاتف محمول من داخل إحدى اللجان، رغم القرارات الصارمة المعلنة بشأن منع اصطحاب الهواتف.

أما في أسيوط، فظهرت صفحات تعليمية تنشر أجزاء من الامتحان مع وعود بـ«حلول فورية»، ما عزز الشكوك حول وجود شبكات منظمة للغش الإلكتروني.

الغش من بوابة الهواتف الذكية
تكشف الوقائع أن الهاتف المحمول لا يزال البوابة الأوسع للغش، رغم تكرار قرارات المنع والتفتيش. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات التنفيذ داخل اللجان، ودور الملاحظين، وحجم المسؤولية الواقعة على إدارات المدارس.

ويرى متابعون أن المشكلة لا تكمن في غياب القرارات، بل في ضعف تطبيقها، وغياب المحاسبة العلنية، ما يشجع على تكرار المخالفة باعتبارها «مخاطرة محدودة العواقب».

فشل إداري لا أخطاء فردية
من جانبه، يؤكد الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن ما يحدث «لا يمكن اختزاله في أخطاء فردية أو تجاوزات محدودة»، مشددًا على أن تكرار الغش بنفس الآلية في محافظات مختلفة يعكس فشلًا إداريًا واضحًا في إدارة الامتحانات.

ويضيف مغيث أن المنظومة التعليمية تتعامل مع الغش باعتباره أزمة موسمية، يتم احتواؤها ببيانات رسمية، لا باعتباره مشكلة هيكلية تحتاج إلى حلول جذرية تشمل آليات المراقبة، واختيار الملاحظين، ونظام المحاسبة.

خطاب الإصلاح وواقع الامتحانات
ومنذ تولي وزير التربية والتعليم الحالي، رُفع شعار «إصلاح التعليم مهما كانت التكلفة»، مع تأكيدات متكررة بأن التطوير لن يُرضي الجميع، وأن التكنولوجيا وتغيير أنماط التقييم هما السبيل لبناء تعليم عصري.

غير أن مراقبين يرون فجوة متسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي، إذ تتجلى الأزمة في أبسط حقوق العملية التعليمية: امتحان عادل وآمن يضمن تكافؤ الفرص بين الطلاب.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع، أن «غياب العدالة في التقييم ينسف أي حديث عن تطوير التعليم»، مؤكدًا أن فقدان الثقة في الامتحانات أخطر من ضعف المناهج أو أساليب التدريس، لأنه يضرب جوهر فكرة الاستحقاق والجدارة.

إنذار مبكر قبل الثانوية العامة
وتتجاوز خطورة وقائع الغش في الشهادة الإعدادية حدود هذه المرحلة، لتتحول إلى إنذار مبكر بشأن ما قد تشهده امتحانات الثانوية العامة المقبلة، التي تُعد الاختبار الأكبر للمنظومة التعليمية بأكملها.

وكان طارق شوقي، وزير التربية والتعليم الأسبق، قد حذّر في تصريحات سابقة من أن أي خلل في الامتحانات الإعدادية يُعد مؤشرًا خطيرًا لما قد يحدث في الثانوية العامة، خاصة في ظل التطور السريع لوسائل الغش الإلكتروني واتساع نطاقها.

تآكل الثقة المجتمعية
ولا تقف تداعيات الغش عند حدود الامتحان ذاته، بل تمتد إلى تآكل الثقة المجتمعية في التعليم كوسيلة عادلة للترقي الاجتماعي. فمع تكرار مشاهد التسريب، يشعر كثير من الطلاب وأولياء الأمور بأن الاجتهاد لم يعد العامل الحاسم في التفوق، وأن الغش بات مسارًا موازيًا للنجاح.

وتحذر الدكتورة ماجدة نصر، أستاذة علم النفس التربوي، من أن استمرار هذه الظاهرة «يرسخ ثقافة التحايل لدى الطلاب، ويضعف قيمة التعليم والعمل الجاد»، مؤكدة أن أخطر ما في الغش ليس نتيجته اللحظية، بل أثره التراكمي على وعي الأجيال القادمة.